تحل اليوم الذكرى الـ74 لثورة 23 يوليو 1952، التي تُعد واحدة من أبرز المحطات الفارقة في تاريخ الدولة المصرية الحديثة، بعدما أحدثت تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، وغيرت شكل الحياة في مصر لعقود طويلة، وبينما ينظر إليها البعض باعتبارها ثورة وطنية رسخت الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية وبناء الدولة الحديثة، يرى آخرون أنها ما زالت تثير نقاشًا واسعًا حول تقييم تجربتها ونتائجها، وما حققته من أهداف وما بقي منها حتى اليوم.
وفي هذا السياق، تواصل موقع “الحرية” مع عدد من السياسيين لاستطلاع رؤيتهم بشأن ثورة 23 يوليو بعد مرور 74 عامًا على قيامها، حيث رأى أنها مثلت مشروعًا وطنيًا أعاد صياغة الدولة المصرية ورسخ مبادئ الاستقلال والعدالة الاجتماعية، فيما اعتبر آخرون أنها كانت حركة فرضتها ظروف المرحلة وتحولت بمرور الوقت إلى ثورة بنتائجها وتأثيرها، وبين هذا الرأي وذاك، اتفق الجميع على أن تجربة يوليو ستظل حاضرة في الذاكرة الوطنية، وأن تقييمها ينبغي أن يستند إلى قراءة موضوعية لظروفها التاريخية وإنجازاتها وتحدياتها، مع التأكيد على أهمية استخلاص الدروس التي تخدم حاضر مصر ومستقبلها.
رائد سلامة: كانت مسألة حتمية أيا كانت الجهة التي قامت بها
أكد الدكتور رائد سلامة، الباحث الاقتصادي، أن تقييم ثورة 23 يوليو يجب أن ينطلق من الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي سبقت قيامها، مؤكدًا أن السؤال الحقيقي هو: “هل كان يجب أن تندلع ثورة في البلاد؟”، وأن الواجب هو تقييم ما حدث في تلك الليلة ومقدماته في ظل استعمار أجنبي تقليدي وظروف إقليمية ودولية تغيرت بموجبها موازين القوى في العالم.

قال إن العدالة الاجتماعية كانت الهاجس الدائم للثورة، لكنها لم تقترن بالديمقراطية، وهو ما حال دون وجود مؤسسات وكوادر تحمي منجزات العدالة الاجتماعية، في ظل أوضاع بيروقراطية شديدة الهشاشة على مستويات متعددة، آلت إلى الهزيمة الكارثية في عام 1967، وإن حاول الرئيس جمال عبد الناصر تلافي أسبابها لاحقًا.
واختتم سلامة تصريحاته، موجهًا رسالة إلى الشباب المصري، دعاهم فيها إلى قراءة ثورة يوليو قراءة واعية، بعيدًا عن الطروحات الجاهزة سواء من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي أو غيرها، وأن يكون تقييمهم، بعد 75 عامًا من الثورة، قائمًا على منهج علمي صارم يأخذ في الاعتبار السياقات التاريخية التي حدثت فيها الثورة، بهدف استخلاص الدروس بمنتهى الموضوعية، وإعطاء كل ذي حق حقه، لأجل التطور للمستقبل بعيدًا عن مماحكات تيارات تضررت مصالحها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ياسر حسان: لم تكن انقلابًا ولا ثورة.. كانت حركة قادها الشعب
وأكد ياسر حسان، أمين صندوق حزب الوفد، أنه يعتبر أن 23 يوليو كانت حركة ولم تكن انقلابًا ولم تكن ثورة، موضحًا أنها لم تكن انقلابًا لأنها لم تزل الملك، وكان هناك ولي عهد أيضًا، معتبرًا أن الوصف الأنسب لها أنها “حركة قادها الشعب وشجعها”.

وأوضح حسان، أنه منذ ثورة 23 يوليو وحتى ثورة 25 يناير كانت هناك مبادئ وأحلام جميلة وضعتها الثورة في بدايتها، لكن مع الوصول إلى ثورة 25 يناير لم يتحقق جزء كبير من هذه الأهداف، مؤكدًا أن ذلك ما زال محل نقاش بين المؤرخين والسياسيين حتى الآن.
وأضاف أن كثيرًا مما نسمعه أو نراه في الإعلام يشبه “السم في العسل”، مؤكدًا أن الحفاظ على البلد وثقافتها وهويتها أمر مهم جدًا، لأن الجيل الجديد من الشباب أصبح فاقدًا للهوية والثقافة الخاصة ببلاده في إطار الثقافة العالمية.
ناجي الشهابي: مشروع وطني متكامل أعاد صياغة الدولة المصرية
قال ناجي الشهابي، رئيس حزب الجيل الديمقراطي، إن ثورة 23 يوليو لم تكن مجرد حدث تاريخي انتهى بانتهاء ظروفه، وإنما مشروع وطني متكامل أعاد صياغة الدولة المصرية ورسخ مبادئ ما زالت تشكل أساس قوة مصر حتى اليوم.

وأكد أن مبادئ يوليو ما زالت حاضرة بقوة، لأن التحديات التي تواجه الدولة المصرية اليوم تؤكد أن استقلال القرار الوطني، والاعتماد على الإنتاج، وبناء جيش قوي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ليست شعارات من الماضي، وإنما ضرورات للحاضر والمستقبل، مشيرًا إلى أن تمسك مصر برفض تهجير الشعب الفلسطيني والدفاع عن أمنها القومي واستقلال قرارها يمثل امتدادًا طبيعيًا لمدرسة يوليو الوطنية.
وأضاف أن رسالته إلى شباب مصر هي أن يقرأوا ثورة يوليو قراءة واعية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو الروايات المنحازة، وأن يدركوا أن الأمم لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالعلم والعمل والإخلاص والانتماء.
منى عبد الراضي: لا يوجد مستحيل أمام الشعوب عندما تتوافر الإرادة
قالت الكاتبة الصحفية منى عبد الراضي، إن حركة 23 يوليو 1952 حملت مشروعًا وطنيًا طموحًا استهدف إنهاء النظام الملكي، والتحرر من الاستعمار، وتعزيز الاستقلال الوطني، والقضاء على الإقطاع، والحد من هيمنة رأس المال على القرار السياسي، وترسيخ دور الدولة في التنمية، إلى جانب بناء جيش وطني قوي يحمي استقلال البلاد ومقدراتها.

وأوضحت عبد الراضي، أن الحركة سعت إلى تحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق الطبقية، بما يضمن حياة أكثر كرامة للمواطنين، مؤكدة أن أهم ما تراه في تجربة 23 يوليو أنها أكدت أن الإرادة الصادقة قادرة على صنع التغيير، وأنه لا يوجد مستحيل أمام الشعوب عندما تتوافر الرؤية الواضحة والعمل الجاد والإيمان بحق الوطن في التقدم والاستقلال.
واختتمت عبد الراضي تصريحاتها، مؤكدة أنها تحرص على استخدام مصطلح “حركة 23 يوليو”؛ لأن ما جرى في لحظة التنفيذ كان تحركًا قاده مجموعة من الضباط الوطنيين (الضباط الأحرار) دون مشاركة شعبية مباشرة، غير أن ما أعقب ذلك من تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة دفع كثيرًا من الباحثين إلى اعتبارها ثورة بحكم نتائجها وتأثيرها التاريخي، وهو ما يفسر استمرار الجدل حول توصيفها حتى اليوم.
مارجريت عازر: مبادئ الثورة لا تزال حاضرة حتى اليوم
أكدت النائبة مارجريت عازر، نائبة عميد معهد الدراسات السياسية والاستراتيجية بحزب الوفد، أن ثورة 23 يوليو بدأت كحركة للضباط الأحرار، ورآها البعض انقلابًا عسكريًا من حيث آلية الوصول إلى السلطة، لكنها تحولت في آثارها ونتائجها إلى ثورة غيّرت وجه الدولة المصرية، مشيرة إلى أن الجدل حول التسمية لا يزال قائمًا، بينما لا يختلف كثيرون على حجم تأثيرها في تاريخ مصر الحديث.

وأضافت أن كثيرًا من هذه المبادئ لا يزال حاضرًا حتى اليوم، وإن اختلفت أدوات تطبيقه، موضحة أن قضايا العدالة الاجتماعية، والاستقلال في القرار الوطني، وبناء الدولة القوية، وتحقيق التنمية الشاملة، ما زالت تمثل ركائز أساسية في السياسات العامة، لكنها تحتاج إلى تطوير مستمر بما يتناسب مع تحديات العصر ومتطلبات الاقتصاد الحديث.
وأوضحت أن الشباب المصري ينبغي أن ينظر إلى ثورة 23 يوليو باعتبارها جزءًا مهمًا من تاريخ الوطن، يتعلمون منه كيف يمكن للإرادة الوطنية أن تصنع التغيير، دون التوقف عند الماضي فقط، بل جعله دافعًا لبناء المستقبل، مؤكدة أن لكل جيل معركته الخاصة، وأن معركة شباب اليوم تتمثل في بناء اقتصاد قوي، واكتساب المعرفة والابتكار، وترسيخ قيم العمل والإنتاج، والحفاظ على وحدة الوطن واستقراره.

اقرأ أيضاً.. 23 يوليو| ثورة أم انقلاب؟.. سياسيون ومفكرون يفتحون ملفًا لا يغلق في ذكرى الثورة




















