قال الدكتور رائد سلامة، الباحث الاقتصادي، إن تقييم ثورة 23 يوليو يجب أن ينطلق من الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي سبقت قيامها، مؤكدًا، في حديثه عن الذكرى الـ74 للثورة، أن السؤال الحقيقي هو: “هل كان يجب أن تندلع ثورة في البلاد؟”، وأن الواجب هو تقييم ما حدث في تلك الليلة ومقدماته في ظل استعمار أجنبي تقليدي وظروف إقليمية ودولية تغيرت بموجبها موازين القوى في العالم.
وأوضح سلامة، خلال تصريحات خاصة لـ”الحرية”، أن الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية ليلة 23 يوليو لم تكن مرشحة للاستمرار، وإنما كان الواجب أن تتوقف في سياق ظروف إقليمية ودولية لعالم يعاد تشكيله بعد الحرب الكونية الثانية.
وأضاف: “من هذه الرؤية المختلفة، أقول إن مصر كانت تموج بالاحتجاجات والتظاهرات والغضب الشعبي بشكل يومي في الجامعات والمصانع والشوارع، بما كان ينذر باندلاع زلزال يقلب الأمور المنهارة في كل المواقع والمرافق رأسًا على عقب، وكانت الثورة، من وجهة نظري، مسألة حتمية أيا كانت الجهة التي قامت بها”.
تقيم دولة يوليو لا يقتصر على ليلة الثورة
وأشار إلى أنه لا يجب التوقف عند ليلة 23 يوليو ذاتها فقط، وإنما يجب أن يمتد التقييم ليشمل منجزات “دولة يوليو”، موضحًا أنه لا ينبغي التوقف عند مصطلح “المبادئ”، لأن هناك أهدافًا ونتائج، ويجب بحث ما إذا كانت الأهداف قد تحققت أم لا في ظل سياقات تاريخية معينة.
وأضاف أنه لن يتحدث عن الاستقلال الوطني، وطرد الاستعمار، وتأميم قناة السويس، ومؤتمر باندونج، وتأسيس مجموعة عدم الانحياز، ودعم حركات التحرر في إفريقيا ودول أمريكا اللاتينية، وازدهار حركة الثقافة والفنون والأدب والمسرح والترجمة والطباعة، باعتبارها منجزات لا تغفلها عين، لكنه سيتحدث عن تغيير التركيبة الاجتماعية للمجتمع المصري.
وأوضح أن الأراضي التي تم توزيعها على الفلاحين وفقًا لقانون الإصلاح الزراعي جاءت بعد الثورة بأقل من ثلاثة أشهر، لكنه أشار في المقابل إلى إعدام عاملي كفر الدوار خميس والبقري، وإصدار أحكام شديدة القسوة على آخرين بسبب الإضراب، معتبرًا أن ذلك لا يستقيم مع الدعوة إلى العدالة الاجتماعية.
وأكد أن العدالة الاجتماعية كانت الهاجس الدائم للثورة، لكنها لم تقترن بالديمقراطية، وهو ما حال دون وجود مؤسسات وكوادر تحمي منجزات العدالة الاجتماعية، في ظل أوضاع بيروقراطية شديدة الهشاشة على مستويات متعددة، آلت إلى الهزيمة الكارثية في عام 1967، وإن حاول الرئيس جمال عبد الناصر تلافي أسبابها لاحقًا.
وأضاف أن التغيير في التركيب الاجتماعي كان أهم نتائج دولة يوليو، لكنه لم يصمد أمام التغيرات التي أجراها الرئيس أنور السادات، بسبب استمرار غياب الديمقراطية واستفحال نشاط جماعات الدين السياسي التي تبنت شعار “الصحوة الإسلامية”، على حد وصفه.
التصنيع أحد أبرز منجزات دولة يوليو
وأشار إلى أن التاريخ المصري الحديث لم يشهد اهتمامًا بالتنمية والصناعة والتحديث إلا في عهد دولة يوليو، موضحًا أن الاقتصاد كان قائمًا في ذلك الوقت على نمط زراعي متخلف وظالم للأغلبية العظمى من الفلاحين، واستثمارات يقع أغلبها في القطاعات الخدمية لا الصناعية، عدا تجارب صناعية هائلة الأثر لكنها محدودة العدد للاقتصادي العظيم طلعت باشا حرب.
وأضاف أن البرجوازية المصرية لم تنهِ الإقطاع كما حدث في فرنسا، لكنها تماهت معه، فنشأت طبقة هجين أطلق عليها في أحد أبحاثه المنشورة “الإقطاع-بورجوازية”، مما حال دون أي تطور اجتماعي حقيقي قبل يوليو 1952، وتسبب في تردي الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وكان بمثابة البيئة المحفزة للثورة.
وتابع أن الرئيس جمال عبد الناصر جاء بالدكتور عزيز صدقي وزيرًا للصناعة، فأنشأ صروحًا للصناعة ما زال بعضها قائمًا حتى الآن، بينما تم بيع البعض الآخر، مستشهدًا بما قاله الدكتور عزيز صدقي عن لقائه بالرئيس عبد الناصر عندما قال له: “عاوزك تمسك التصنيع يا عزيز”.
وأوضح أن المقصود بالتصنيع هو سلسلة من الأعمال التحويلية تبدأ بمادة خام وتنتهي بمنتج نهائي عبر سلسلة من المصانع والورش التي يعمل بها عمال لديهم مصالح طبقية مشروعة، مؤكدًا أن هذا المنجز لم يكتمل بسبب غياب الديمقراطية.
واختتم سلامة تصريحاته، موجهًا رسالة إلى الشباب المصري، دعاهم فيها إلى قراءة ثورة يوليو قراءة واعية، بعيدًا عن الطروحات الجاهزة سواء من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي أو غيرها، وأن يكون تقييمهم، بعد 75 عامًا من الثورة، قائمًا على منهج علمي صارم يأخذ في الاعتبار السياقات التاريخية التي حدثت فيها الثورة، بهدف استخلاص الدروس بمنتهى الموضوعية، وإعطاء كل ذي حق حقه، لأجل التطور للمستقبل بعيدًا عن مماحكات تيارات تضررت مصالحها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.




















