أكد المهندس أحمد بدرة، عضو الهيئة العليا بحزب العدل، أن ثورة 23 يوليو لم تكن مجرد تغيير في رأس السلطة أو انتقال من نظام إلى آخر، وإنما مثلت محاولة لإعادة تعريف الدولة المصرية، من خلال ترسيخ مفهوم الدولة المستقلة، وبناء جيش وطني، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوسيع فرص التعليم والعمل أمام جميع المواطنين.
التعليم المجاني أمام ملايين المصريين
وقال بدرة، خلال تصريحات خاصة لـ”الحرية”، إن أبرز المبادئ التي سعت الثورة إلى ترسيخها تمثلت في العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والاستقلال الوطني، وبناء اقتصاد وطني قوي، وعدم ترك الثروة والنفوذ في يد عدد محدود من الأشخاص، إلى جانب منح الفلاح والعامل والطبقة المتوسطة مكانة أكبر داخل المجتمع، وفتح أبواب التعليم المجاني أمام ملايين المصريين.
التقييم الحقيقي لهذه المبادئ
وأضاف أن التقييم الحقيقي لهذه المبادئ لا يكون من خلال الشعارات أو الخطابات، وإنما من خلال انعكاسها على حياة المواطنين، متسائلًا: “هل التعليم الجيد متاح للجميع؟ وهل فرص العمل والترقي ترتبط بالكفاءة؟ وهل الفوارق بين الطبقات ما زالت في حدودها الطبيعية؟ وهل تنتج الدولة ما يكفي لحماية استقلال قرارها؟”.
وأشار إلى أن بعض مبادئ يوليو لا تزال حاضرة في وجدان المصريين وفي فلسفة الدولة، خاصة ما يتعلق بالحماية الاجتماعية، والمشروعات القومية، والأمن القومي، إلا أن جزءًا كبيرًا منها تراجع في التطبيق أو تغيرت آليات تنفيذه، مؤكدًا أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق بالدعم وحده، وأن الاستقلال الوطني لا يكتمل دون استقلال اقتصادي، كما أن تكافؤ الفرص لا يكون حقيقيًا إذا أصبحت جودة التعليم والصحة والعمل مرتبطة بالقدرة المالية أكثر من الكفاءة.
وفي حديثه عن التحديات الاقتصادية الراهنة، أوضح بدرة: “التحديات مختلفة في الشكل لكنها متشابهة في الجوهر، ووقت ثورة يوليو كانت مصر تعاني من سيطرة كبار الملاك وضعف الصناعة وانتشار الفقر والأمية والنفوذ الأجنبي، الدولة وقتها كانت تحتاج أن تبني نفسها من البداية مصانع وتعليم وجيش ومؤسسات وقاعدة إنتاج، أما اليوم فمصر لديها دولة ومؤسسات وبنية أساسية وقاعدة صناعية وتعليمية كبيرة”.
حجم الإنتاج والسكان
وتابع: “لكن المشكلة أن حجم الإنتاج لا يتناسب مع حجم السكان ولا مع حجم الاستهلاك ولا مع حجم الطموحات، نحن نستورد أكثر مما نصدر، ونستهلك أكثر مما ننتج، ونقترض أحيانًا لتغطية الفجوة بين الاثنين، ثم نكتشف أن جزءًا كبيرًا من دخل الدولة يذهب لخدمة الديون بدلًا من التعليم والصحة والإنتاج”.
وأضاف: “أبرز التحديات اليوم هي التضخم، وارتفاع الأسعار، والدين العام، ونقص العملة الأجنبية، وضعف الصادرات، وانخفاض الإنتاجية، وزيادة تكلفة التشغيل، وصعوبة حصول المشروعات الصغيرة، والمتوسطة، على التمويل”.
وأكمل: “هناك أيضًا مشكلة أخطر وهي أن جزءًا كبيرًا من السيولة يتجه إلى العقارات والأراضي والمضاربة بدلًا من الصناعة والزراعة والتكنولوجيا، ولا يمكن أن تقوم دولة طول الوقت على بيع الأراضي وبناء الشقق والفلل والمولات، والعقار مهم لكنه لا يصدر بما يكفي، ولا يشغل العدد الكافي من العمالة المستدامة، ولا يبني اقتصادًا قادرًا على المنافسة وحده، إذن الفارق أن ثورة يوليو واجهت اقتصادًا ضعيف البنية”.
إعادة ترتيب الأولويات
وأكد أننا اليوم نواجه اقتصادًا لديه بنية وإمكانيات لكنه يحتاج إلى إعادة ترتيب أولوياته ورفع كفاءته وتحويل موارده من الاستهلاك والمضاربة إلى الإنتاج الحقيقي.
وشدد عضو الهيئة العليا بحزب العدل على أن مصر تحتاج إلى “ثورة اقتصادية جديدة”، لكنها ليست ثورة تهدم ما هو قائم، وإنما ثورة في الفكر والإدارة وترتيب الأولويات، تقوم على جعل الإنتاج أساس التنمية، بحيث يصبح المصنع أهم من المخزن، والمزرعة أهم من الاستيراد، والتكنولوجيا أهم من المضاربة، والتصدير أهم من بيع الأصول، والكفاءة أهم من العلاقات.
وأكد أن هذه الثورة الاقتصادية تتطلب تشجيع القطاع الخاص الحقيقي دون منافسته في كل المجالات، مع الحفاظ على دور الدولة في الرقابة ومنع الاحتكار، وإلى تعليم فني ينتج عاملًا وفنيًا قادرًا على العمل وليس مجرد شهادة جديدة تضاف إلى البطالة، كما نحتاج إلى استقرار في السياسات والضرائب وسعر الصرف حتى يستطيع المستثمر أن يخطط لسنوات بدلًا من أن يعيش كل يوم في انتظار قرار جديد.
وقال إن ملامح الثورة الاقتصادية المنشودة تتمثل في زيادة الإنتاج الزراعي والصناعي، وتقليل الاستيراد غير الضروري، وزيادة الصادرات، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وربط التعليم بسوق العمل، ومحاربة الاحتكار والفساد والبيروقراطية، وإدارة أصول الدولة بكفاءة، وتوجيه الاستثمارات إلى القطاعات الإنتاجية.
وأضاف أن الهدف النهائي يجب أن يكون بناء طبقة متوسطة قوية، لأن اختفاء هذه الطبقة يؤدي إلى اتساع الفجوة الاجتماعية، مؤكدًا أن الاستقلال السياسي يظل ناقصًا دون اقتصاد قوي، وأن العدالة الاجتماعية دون إنتاج تتحول إلى توزيع للفقر، فيما تظل التنمية التي لا يشعر بها المواطن في مستوى دخله وتعليمه وصحته وفرص أبنائه مجرد أرقام لا تعكس واقعًا حقيقيًا.



















