أكد الدكتور عماد جاد، المحلل السياسي ونائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الحديث عن تمويل الأحزاب السياسية في مصر يبتعد عن جوهر الأزمة الحقيقية، موضحًا أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بنقص الموارد المالية، وإنما بغياب أحزاب سياسية فاعلة تمتلك قواعد جماهيرية وبرامج قادرة على جذب المواطنين.
تمويل الدولة للأحزاب
وقال جاد، خلال تصريحات خاصة لـ”الحرية”، إن النظم الديمقراطية القائمة على التعددية الحزبية لا تعتمد في الأساس على تمويل الدولة للأحزاب، وإنما على مساهمات الأعضاء والمؤيدين المؤمنين ببرامجها وأفكارها، مشيرًا إلى أن مصر تضم حاليًا نحو 104 أحزاب سياسية، بينما لا يتجاوز عدد الأحزاب التي تمارس نشاطًا سياسيًا حقيقيًا ما بين خمسة وعشرة أحزاب فقط.
وأضاف أن الحزب السياسي الطبيعي يفترض أن يستند إلى برنامج واضح يجذب المواطنين، بحيث يساهم أعضاؤه ومؤيدوه في تمويله من خلال اشتراكات وتبرعات مشروعة، لكن وجود عشرات الأحزاب التي لا تمتلك قواعد شعبية أو مؤيدين يعكس غياب التأثير الحقيقي لها في الشارع السياسي.
اقرأ أيضا.. هل تحتاج الأحزاب تمويلاً من الدولة للتوسع في عملها السياسي.. حسام الدين علي يوضح لـ”الحرية”
وأوضح جاد أن بعض الأحزاب تلجأ إلى ممارسات غير قانونية لتوفير التمويل، من بينها “بيع المقاعد الانتخابية”، سواء في القوائم أو الترتيبات الانتخابية المختلفة، مؤكدًا أن التبرعات الحزبية أمر مشروع، لكن بشرط ألا ترتبط بالحصول على ترشيح شخص وأخءه مقعد انتخابي مقابل الدعم المالي.
وأشار إلى أن الأحزاب القريبة من الدولة أو المؤسسات الرسمية لا تواجه مشكلات كبيرة في التمويل، بينما تعتمد أحزاب أخرى على تفاهمات انتخابية أو الحصول على عدد محدود من المقاعد داخل القوائم الانتخابية لضمان استمرارها.
التوسع الكبير في تأسيس الأحزاب
ولفت إلى أن ضعف الأحزاب يعود أيضًا إلى التوسع الكبير في تأسيس الأحزاب بعد عام 2011 من خلال نظام الإخطار، موضحًا أن هذا الأمر أدى إلى ظهور عدد كبير من الأحزاب التي لا تمتلك وجودًا حقيقيًا أو برامج سياسية مؤثرة، وأصبحت في كثير من الأحيان مجرد أسماء مسجلة على الورق.
وأكد جاد أن الدولة ليست ملزمة قانونيًا بتمويل الأحزاب السياسية، معتبرًا أن المطالبة بذلك لا تعالج أصل المشكلة، خاصة في ظل واقع حزبي يعاني من ضعف المنافسة السياسية وغياب الأحزاب الجماهيرية القادرة على تمثيل المواطنين والتعبير عن مصالحهم.
وأضاف أن المشهد الحزبي الحالي يضم أحزابًا مرتبطة بالدولة بشكل مباشر، مثل مستقبل وطن وحماة الوطن والجبهة الوطنية، إلى جانب أحزاب أخرى تعرف نفسها كأحزاب معارضة مثل حزب العدل وهو يُسمح له بالمشاركة في حدود معينة داخل هذه العملية السياسية.
وشدد جاد على أن الأحزاب السياسية في مصر لا تتمتع بحرية الحركة الكافية للعمل بين المواطنين وبناء قواعد جماهيرية حقيقية، الأمر الذي ينعكس سلبًا على قدرتها على النمو والتأثير، كما أشار إلى أن بعض الأحزاب تشهد استمرار قياداتها لفترات طويلة عبر تعديل اللوائح الداخلية بما يضمن بقاء رؤسائها في مواقعهم.
وأضاف أن إصلاح الحياة السياسية يبدأ من الاستثمار في التعليم وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين، مؤكدًا أن المواطن الجائع أو المحروم من التعليم الجيد لن تكون لديه الأولوية للمشاركة السياسية أو الاهتمام بالشأن العام، معتبرًا أن بناء ثقافة سياسية ديمقراطية هو المدخل الحقيقي لحل أزمة الأحزاب في مصر.
واختتم جاد تصريحاته بالتأكيد على أن الأزمة تتجاوز الأحزاب إلى طبيعة النظام السياسي والثقافة السياسية السائدة، قائلًا إن مصر لا تمتلك حاليًا أحزابًا سياسية حقيقية بالمعنى الكامل، كما أن المجتمع بحاجة إلى ترسيخ ثقافة تقبل التعددية والاختلاف.
اقرأ أيضا.. منير فخري عبدالنور لـ”الحرية”: أزمة الأحزاب ليست في التمويل.. بل في غياب الحرية والمشاركة السياسية





















