يمثل قطاع الكهرباء أحد الأعمدة الرئيسية لأي اقتصاد حديث، باعتباره محركًا للنمو الصناعي والاستقرار الاجتماعي وجذب الاستثمارات. وخلال السنوات الأخيرة، شهد القطاع المصري تحولًا هيكليًا واسعًا عبر تنفيذ برنامج ضخم للتوسع في قدرات التوليد وإنشاء محطات جديدة، بما أنهى أزمة نقص الإمدادات وعزز أمن الطاقة. إلا أن نجاح هذه السياسة في زيادة القدرات الإنتاجية أفرز تحديًا اقتصاديًا جديدًا، يتمثل في وجود طاقات توليدية تفوق الطلب الفعلي، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول كفاءة استغلال الأصول، وتكلفة إنتاج الكهرباء، وانعكاس سياسات التسعير على مستويات المعيشة والقدرة التنافسية للاقتصاد.
ولا تقتصر هذه التساؤلات على الجوانب الاقتصادية وحدها، بل تمتد إلى كيفية إدارة الإصلاحات وتوقيت تنفيذها. فنجاح أي إصلاح اقتصادي لا يرتبط بمضمونه وأهدافه المالية فقط، وإنما أيضًا بمدى ملاءمة توقيته للسياقين الداخلي والإقليمي. وتؤكد أدبيات السياسات العامة أن فعالية القرارات ترتبط بدرجة تقبل المجتمع لها وقدرة الدولة على بناء التأييد اللازم لتنفيذها. ومن هذا المنطلق، يثير توقيت رفع أسعار الكهرباء تساؤلات بشأن مدى مراعاته للظروف الإقليمية الدقيقة وما تفرضه من أهمية للحفاظ على التماسك الداخلي وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
وفي ظل هذه الظروف، تصبح المحافظة على التأييد المجتمعي ضرورة استراتيجية، خاصة مع تصاعد الضغوط الجيوسياسية. ومن ثم، فإن القرارات التي تمس الأعباء المعيشية مباشرة قد تعكس قصورًا في تقدير البعد السياسي المصاحب للإصلاح الاقتصادي إذا لم تُراعِ توقيتها. فنجاح الإصلاح لا يقاس فقط بتحقيق مؤشرات مالية إيجابية، بل أيضًا بقدرة الدولة على تنفيذه في توقيت يحافظ على الثقة العامة ويعزز الاصطفاف المجتمعي لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
توسع كبير في قدرات التوليد وتكوين فائض إنتاجي
منذ عام 2015، تبنت مصر استراتيجية توسعية رفعت القدرة للشبكة القومية إلى نحو 60 جيجاوات، بينما بلغ أقصى حمل نحو 36.8 جيجاوات، وهو ما يعكس احتياطيًا تشغيليًا كبيرًا، ونتيجة لذلك، انتقلت مصر من مرحلة العجز إلى تحقيق فائض واضح في القدرات التوليدية. فقد بلغت الكهرباء المنتجة نحو 229.3 تيراوات ساعة، مقابل مبيعات بلغت 144.7 تيراوات ساعة، بما يكشف عن فجوة بين الطاقة المتاحة والاستهلاك الفعلي، ويُقدر حجم القدرات غير المستغلة وقت الذروة بنحو 20 إلى 22 جيجاوات.
تكلفة الطاقة غير المستغلة وتأثيرها على الأسعار
بينما يمثل الاحتياطي التشغيلي عنصرًا مهمًا في تعزيز أمن الطاقة، فإن له تكلفة اقتصادية واضحة. فمحطات التوليد، ولا سيما الحرارية المعتمدة على الغاز الطبيعي، تتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة بغض النظر عن ساعات التشغيل الفعلية، وتُقدر الاستثمارات في القدرات الحرارية المصرية بنحو 40 إلى 50 مليار دولار، إلا أن انخفاض معدلات التشغيل يؤدي إلى توزيع تكاليف الإنشاء والصيانة والتمويل على كمية أقل من الكهرباء المنتجة، وهو ما يرفع تكلفة الكيلووات ساعة، وبالتالي فإن تكلفة الكهرباء لا ترتبط بأسعار الوقود فقط، بل أيضًا بكفاءة استغلال الأصول. فكلما انخفضت ساعات التشغيل، ارتفعت تكلفة الوحدة المنتجة نتيجة تحميلها بالتكاليف الثابتة، وهو ما يزيد الضغوط المالية في ظل غياب نمو موازٍ في الطلب أو التصدير.
هيكل الاستهلاك وأثر زيادة الأسعار
ينفرد هيكل استهلاك الكهرباء في مصر بارتفاع نصيب القطاع السكني، الذي يمثل نحو 46% من إجمالي الكهرباء المباعة، مقابل 16.1% للقطاع الصناعي، ولهذا السبب فإن أي زيادة في الأسعار تنعكس مباشرة على الأسر، خاصة مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة. كما أن الكهرباء تدخل بصورة مباشرة وغير مباشرة في تكلفة إنتاج الغذاء والنقل والخدمات والسلع الصناعية، وعلاوة على ذلك، يؤدي ارتفاع تكلفة الكهرباء المنزلية إلى تراجع الدخل المتاح للإنفاق، بما يؤثر في أنماط الاستهلاك ويزيد الضغوط التضخمية، بينما تنتقل زيادة تكاليف الكهرباء في الأنشطة التجارية والصناعية تدريجيًا إلى المستهلك النهائي عبر ارتفاع تكلفة الإنتاج، ولا يقتصر الأثر على المستهلك الفردي، إذ تمثل الطاقة أحد أهم عناصر التكلفة في مختلف القطاعات؛ فالصناعة تعتمد عليها في تشغيل خطوط الإنتاج، والزراعة في الري والتبريد والتخزين، بينما تعتمد عليها قطاعات الخدمات والتجارة في تشغيل أنشطتها اليومية.
كيف يمكن تحقيق أهداف الإصلاح دون تحميل المواطن العبء الأكبر؟
رغم أهمية إصلاح منظومة تسعير الكهرباء، فإن معالجة المشكلة ينبغي أن تتجاوز رفع الأسعار، لتشمل سياسات تعالج أسباب ارتفاع التكلفة من جذورها.
أولًا: رفع كفاءة استخدام القدرات القائمة
يتطلب ذلك تحسين معامل تشغيل المحطات، وتوسيع استخدام الكهرباء في الأنشطة الإنتاجية، وتشجيع الصناعات كثيفة الاستخدام للطاقة.
ثانيًا: التوسع في تصدير الكهرباء والربط الإقليمي
يمكن تحويل فائض القدرات إلى مصدر دخل عبر تعزيز مشروعات الربط الكهربائي مع الدول المجاورة، بما يرفع معدلات تشغيل الأصول القائمة.
ثالثًا: زيادة مساهمة الطاقة المتجددة
رغم أن التوليد الحراري لا يزال يمثل أكثر من 88% من الإنتاج، فإن التوسع في الطاقة المتجددة يسهم في خفض الاعتماد على الوقود التقليدي وتقليل التكلفة على المدى الطويل.
رابعًا: تعزيز كفاءة استخدام الطاقة
يسهم نشر الأجهزة والمعدات الموفرة للطاقة، إلى جانب برامج ترشيد الاستهلاك في المنازل والمصانع، في خفض الطلب غير الضروري وتقليل تكاليف التشغيل.
في المحصلة، تعكس زيادة أسعار الكهرباء في مصر تحديًا اقتصاديًا يتطلب الموازنة بين استدامة القطاع ماليًا وحماية المواطن والاقتصاد الإنتاجي. فالمشكلة لا ترتبط بسعر البيع وحده، بل ببنية القطاع نفسها؛ إذ أدى الاستثمار الكبير في قدرات التوليد إلى تحقيق أمن الطاقة، لكنه أوجد أيضًا تحدي انخفاض معدلات التشغيل وارتفاع تكلفة الوحدة المنتجة.
لذلك، فإن الحل الأكثر استدامة لا يتمثل في تحميل المستهلك تكلفة الفائض الإنتاجي، بل في تعظيم الاستفادة من القدرات القائمة، والتوسع في تصدير الكهرباء، وتحسين كفاءة التشغيل، وتقليل الفاقد، وزيادة مساهمة الطاقة المتجددة، بالتوازي مع سياسات حماية اجتماعية وإنتاجية تضمن ألا تتحول إصلاحات قطاع الكهرباء إلى مصدر إضافي للضغوط التضخمية على المواطنين والاقتصاد.





















