أعلنت الحكومة زيادة جديدة في أسعار الكهرباء، وقالت إنها ما زالت تتحمل جانبًا كبيرًا من تكلفة إنتاجها، وإن الدولة تتحمل نحو 100 مليار جنيه سنويًا للحفاظ على استقرار المنظومة.
وربما يبدو هذا الكلام مطمئناً للوهلة الأولى، لكن الحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب هي أن أموال الموازنة العامة ليست أموال الحكومة، وإنما هي أموال المصريين، التي تتكون من الضرائب والرسوم وغيرها من الموارد العامة. وبالتالي، فإن الحديث عن تحمل الدولة للتكلفة لا يعني أن المواطن بعيد عن هذه المعادلة، فهو الممول الأول للموازنة، وهو أيضًا من يسدد فاتورة الكهرباء، ويتحمل في النهاية آثار أي زيادة في الأسعار.
المشكلة ليست في أن الدولة تدعم الكهرباء، فهذه إحدى وظائفها الأساسية، وإنما في أن المواطن أصبح يدفع الثمن أكثر من مرة.
يدفعه عندما يسدد ضرائبه ورسومه.
ويدفعه مرة أخرى عندما تصله فاتورة الكهرباء.
ثم يدفعه للمرة الثالثة عندما ترتفع أسعار السلع والخدمات نتيجة زيادة تكلفة الإنتاج والنقل.
في النهاية… المواطن هو الذي يدفع.
قد تختلف المسميات، لكن النتيجة واحدة.
الحكومة تتحدث عن استدامة مالية، والمواطن يتحدث عن استدامة حياته.
الحكومة تتحدث عن أرقام ومؤشرات، بينما المواطن ينظر إلى دخله الذي لم يعد يكفي احتياجات أسرته حتى منتصف الشهر.
لا أحد ينكر أن قطاع الكهرباء يحتاج إلى استثمارات، ولا أحد يرفض الإصلاح الاقتصادي من حيث المبدأ، لكن الإصلاح لا يمكن أن يتحول إلى سلسلة لا تنتهي من تحميل المواطنين أعباءً جديدة، دون أن يشعروا بأن هناك نقطة نهاية، أو أن هناك تحسنًا ينعكس على حياتهم.
لقد تحمل المصريون الكثير خلال السنوات الماضية.
تحملوا تحرير سعر الصرف.
وتحملوا ارتفاع أسعار الوقود.
وتحملوا زيادة أسعار المياه والمواصلات والخدمات.
وتحملوا موجات متلاحقة من التضخم أكلت جانبًا كبيرًا من دخولهم.
تحملوا تبعات أزمات إقليمية ودولية .
وفي كل مرة كان يُطلب منهم المزيد من الصبر، على وعد بأن ثمار الإصلاح أصبحت قريبة.
لكن من حق الناس اليوم أن تسأل:
إلى متى؟
إلى متى سيظل المواطن هو الحلقة التي تتحمل كل جولة جديدة من الإصلاح؟
إلى متى ستظل الحكومة تعتبر جيب المواطن هو الحل الأسرع لسد أي فجوة مالية؟
الإصلاح الحقيقي لا يعني أن يزداد ما يدفعه المواطن عامًا بعد عام، بل أن تتحسن جودة حياته، وأن يشعر بأن تضحياته لم تذهب هباءً.
إن الحكومة التي تطلب من شعبها التحمل عامًا بعد عام، مطالبة أيضًا بأن تعلن متى ينتهي هذا التحمل، ومتى يبدأ المواطن في جني ثمار ما دفعه من أثمان.
لقد آن الأوان لأن تتوقف سياسة نقل الأعباء إلى المواطنين، وأن تبدأ مرحلة جديدة يكون عنوانها تخفيف الضغوط، وتحفيز الإنتاج، وتحسين الدخول، واستعادة ثقة الناس.
وإذا كانت الحكومة لا تزال ترى أن الحل لكل أزمة هو زيادة الأسعار، بينما يرى المواطن أن حياته أصبحت أكثر صعوبة يومًا بعد يوم، فإن الفجوة بين الطرفين أصبحت أوسع من أن تُردم بالبيانات الرسمية.
لقد صبر المصريون، وتحملوا، وساندوا دولتهم في أصعب الظروف. لكن الدول تُدار أيضًا بالإنصات لشعوبها. وعندما يصبح المواطن غير قادر على تحمل المزيد، فإن الواجب الوطني يقتضي مراجعة السياسات، وتجديد الرؤى، وتغيير الأدوات.
لقد آن الأوان لتغيير هذا النهج… بل آن الأوان لأن ترحل هذه الحكومة، وأن يأتي فريق جديد برؤية مختلفة، يضع المواطن في قلب السياسات العامة، لا في نهاية حساباتها. فالحكومات تُغيَّر عندما تعجز عن تقديم حلول جديدة، وعندما يصبح تكرار الأدوات نفسها عبئًا على الناس أكثر منه أملاً لهم .





















