في علم إدارة الأزمات، لا يُقاس نجاح الحكومات بقدرتها على اتخاذ القرارات الصعبة فحسب، وإنما بقدرتها على اختيار التوقيت المناسب، وإدارة الأثر الاجتماعي لتلك القرارات، وبناء الثقة بينها وبين المواطنين. ومن هذا المنطلق، تبرز التساؤلات التي فرضها قرار زيادة أسعار الكهرباء، في وقت لا تزال فيه الأسرة المصرية تواجه ضغوطًا معيشية متراكمة بفعل التضخم وارتفاع أسعار السلع والخدمات.
لا خلاف على أن الحكومة المصرية، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، واجهت منذ عام 2018 أزمات غير مسبوقة؛ بدءًا من جائحة كورونا، مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية، وانتهاءً بالتوترات الجيوسياسية في المنطقة، والتي ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد. كما لا يمكن إنكار أن الدولة نفذت برامج إصلاح اقتصادي ساهمت في الحفاظ على الاستقرار المالي، وجذب الاستثمارات، وتطوير البنية التحتية.
لكن نجاح أي برنامج إصلاح اقتصادي لا يُقاس فقط بتحسن المؤشرات الكلية، وإنما بمدى شعور المواطن بثماره. فالمواطن لا يعيش داخل تقارير المؤسسات المالية، بل داخل منزل يحاول أن يوفر فيه احتياجات أسرته، وأن يسدد فاتورة الكهرباء، وأن يضمن تعليم أبنائه ورعايتهم الصحية.
تكمن المشكلة الحقيقية في أن قرارات زيادة أسعار الخدمات الأساسية لا تتوقف آثارها عند قيمة الفاتورة، بل تمتد إلى تكلفة الإنتاج والنقل والتشغيل، فتنعكس على أسعار السلع كافة. وهنا تتضاعف الضغوط على الأسرة المصرية التي لم تستعد بعد كامل قدرتها الشرائية في ظل استمرار ارتفاع تكلفة المعيشة.
إن إدارة الأزمات الاقتصادية لا تعني فقط تقليص الدعم أو تحقيق التوازن المالي، بل تعني أيضًا إدارة الحالة النفسية والاجتماعية للمجتمع. فكلما شعر المواطن بأن الأعباء تتزايد دون أن يقابلها تحسن ملموس في مستوى دخله أو جودة الخدمات، تراجعت الثقة وازدادت حالة القلق بشأن المستقبل.
وربما تحتاج الحكومة اليوم إلى الانتقال من مرحلة “إدارة الأزمة” إلى مرحلة “إدارة آثار الأزمة”. فليس المطلوب وقف الإصلاح الاقتصادي، وإنما إعادة ترتيب أولوياته بما يحقق توازنًا بين متطلبات الاقتصاد واحتياجات المواطن.
ومن هذا المنطلق، يمكن طرح عدد من السياسات التي تستحق الدراسة:
* التوسع في برامج الحماية الاجتماعية للفئات المتوسطة ومحدودة الدخل، وليس فقط الفئات الأكثر احتياجًا.
* ربط أي زيادات مستقبلية في أسعار الخدمات بتحسن مستويات الدخول والأجور.
* تشديد الرقابة على الأسواق لمنع استغلال أي زيادة في أسعار الطاقة لرفع أسعار السلع بصورة غير مبررة.
* الإسراع في دعم الصناعة المحلية والإنتاج، لأن زيادة الإنتاج هي الطريق الأكثر استدامة لمواجهة التضخم.
* فتح حوار مجتمعي حقيقي قبل اتخاذ القرارات الاقتصادية المؤثرة، بما يعزز الشفافية ويزيد من ثقة المواطنين.
إن الدولة المصرية تحتاج اليوم إلى معادلة دقيقة؛ تحافظ على الاستقرار المالي من جهة، وتحمي التماسك الاجتماعي من جهة أخرى. فالإصلاح الاقتصادي لا ينجح عندما تتحسن المؤشرات الاقتصادية فقط، بل عندما يشعر المواطن أن حياته أصبحت أكثر استقرارًا، وأن تضحياته تقابلها نتائج ملموسة.
لقد أثبت المصريون، عبر مختلف المراحل، قدرتهم على الصبر وتحمل المسؤولية عندما يثقون بأن ما يقدمونه من تضحيات سيقود إلى مستقبل أفضل. لكن استمرار هذه الثقة يتطلب أن تكون السياسات الاقتصادية أكثر حساسية لواقع الأسرة المصرية، وأكثر قدرة على تحقيق العدالة في توزيع أعباء الإصلاح.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يكون حاضرًا أمام صانع القرار: هل أصبح المواطن شريكًا في ثمار الإصلاح الاقتصادي، أم أنه لا يزال يتحمل النصيب الأكبر من تكلفته؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مستقبل العلاقة بين السياسات الاقتصادية وثقة المواطن، وهي المعيار الحقيقي لنجاح أي حكومة في إدارة الأزمات، وليس فقط في تجاوزها.





















