قال الدكتور ياسر العالم الخبير الاقتصادي، إن زيادة تعريفة الكهرباء لم تعد مجرد تعديل في أسعار خدمة أساسية، وإنما تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الاقتصاد على التكيف، في ظل ارتباط الكهرباء المباشر بمختلف الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية والاستثمارية.
ارتفاع تكلفة الطاقة يمتد من المصانع إلى الأسواق ويؤثر على القوة الشرائية
وأوضح العالم في تصريح خاص لـ “الحرية”، أن الكهرباء لم تعد تقتصر على كونها خدمة يعتمد عليها المواطن داخل منزله، بل أصبحت عصب الاقتصاد ومحركًا رئيسيًا لعجلة التنمية والإنتاج والاستثمار، لذلك فإن أي تعديل في التعريفة السعرية يُقرأ باعتباره قرارًا اقتصاديًا يمتد تأثيره إلى جميع شرائح المجتمع، بدءًا من الأسر، مرورًا بالمصانع والمحال التجارية، ووصولًا إلى مختلف المشروعات الاستثمارية.
وأضاف ياسر، أن الاقتصاد الوطني يرتبط بالطاقة ارتباطًا وثيقًا، وكلما ارتفعت تكلفتها ارتفعت معها تكلفة الإنتاج في مختلف القطاعات بصورة مباشرة، وهو ما يضع الشركات أمام معادلة صعبة، فإما أن تتحمل الزيادة على حساب أرباحها، وهو أمر قد لا يكون ممكنًا في ظل المنافسة الشديدة، أو أن تعيد تسعير منتجاتها وخدماتها، لينتقل العبء تدريجيًا إلى المستهلك النهائي، وتبدأ سلسلة من الآثار الاقتصادية تمتد من المصنع إلى السوق، ومن السوق إلى الأسرة.
وأشار الخبير الاقتصادي، إلى أن الكهرباء تدخل بصورة مباشرة وغير مباشرة في إنتاج معظم السلع والخدمات، وقد تتحول إلى عامل ضاغط على معدلات التضخم، كما تؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتخزين وسلاسل الإمداد، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار العديد من السلع الأساسية والخدمات اليومية.
وأكد العالم، أن التأثير لا يتوقف عند ارتفاع فاتورة الكهرباء، وإنما يمتد إلى تراجع القوة الشرائية للأسر نتيجة الزيادات المتتالية في أسعار السلع والخدمات، ومع انخفاض القدرة الشرائية يتراجع الاستهلاك، ويتأثر النشاط التجاري، وقد يتباطأ النمو في بعض القطاعات، خاصة إذا لم تُواكب الإصلاحات بسياسات تحد من آثارها قصيرة الأجل.
وأوضح الخبير الاقتصادي، أن التأثير يمتد كذلك إلى قطاع الأعمال، وبصفة خاصة المنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل العمود الفقري لأي اقتصاد حديث، إذ تعمل هذه المنشآت غالبًا بهوامش ربح محدودة، وأي زيادة في تكاليف التشغيل قد تحد من قدرتها على التوسع أو التوظيف، وربما الاستمرار في بعض الأنشطة.
مكاسب استراتيجية مرتقبة لإعادة هيكلة أسعار الطاقة وتحفيز الاستثمار
ولفت العالم، إلى أن الصورة ليست قاتمة بالكامل، موضحًا أن إعادة هيكلة أسعار الكهرباء، إذا تمت وفق رؤية اقتصادية متوازنة، يمكن أن تحقق مكاسب استراتيجية على المدى الطويل، من خلال تشجيع كفاءة استخدام الطاقة، والحد من الهدر، وتحفيز الاستثمار في التقنيات الحديثة، إلى جانب تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة، التي أصبحت خيارًا اقتصاديًا إلى جانب كونها خيارًا بيئيًا.
وأشار ياسر، إلى أن التجارب الدولية تؤكد أن إصلاح أسعار الطاقة يحقق أفضل نتائجه عندما يصاحبه وضوح في الرؤية، وشفافية في التواصل مع المجتمع، وتدرج في التطبيق، إلى جانب سياسات اقتصادية واجتماعية تحد من الآثار الانتقالية، مؤكدًا أن المواطن والمستثمر لا يرفضان الإصلاح، وإنما يبحثان عن بيئة مستقرة يمكن التنبؤ بها.
وأضاف العالم، أن المرحلة المقبلة تتطلب من الشركات إعادة النظر في نماذج أعمالها، والاستثمار في حلول كفاءة الطاقة، والتحول الرقمي، والتوسع في استخدام مصادر الطاقة المتجددة كلما كان ذلك ممكنًا، كما تتطلب من المستهلكين تبني ثقافة ترشيد الاستهلاك، باعتبار الطاقة جزءًا من المسؤولية الاقتصادية والاجتماعية.
واختتم الدكتور ياسر العالم تصريحاته، بالتأكيد على أن الكهرباء ليست مجرد سلعة تُباع وتشترى، بل هي ركيزة للتنمية الاقتصادية، وأداة للنمو، وعامل مؤثر في تنافسية الاقتصاد الوطني، مشددا على أن نجاح سياسات تسعير الكهرباء لا يقاس بحجم الإيرادات المتحققة، وإنما بقدرتها على تحقيق معادلة متوازنة تجمع بين الاستدامة المالية، والنمو الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، والحفاظ على القوة الشرائية للمواطن، مؤكدًا أن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي لا يستهدف زيادة الأعباء، وإنما بناء اقتصاد أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة المستقبل، بما يجعل إدارة آثار زيادة أسعار الكهرباء تحديا اقتصاديًا وفرصة لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني.





















