هناك لحظات في التاريخ لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد أحداث عابرة بل باعتبارها دروسًا مفتوحة لمن يريد أن يتعلم.
وما جرى في سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 ثم انتقال السلطة إلى قيادة هئية تحرير الشام يمثل واحدة من أكثر التجارب العربية تعقيدًا خلال السنوات الأخيرة. فقد بدأت مرحلة انتقالية تحمل وعودًا بإعادة بناء الدولة لكنها ما زالت تواجه تحديات عميقة تتعلق بتوحيد مؤسسات القوة وإدارة التنوع وبناء الشرعية السياسية ومنع عودة العنف والانقسام.
ومن هنا يصبح من المشروع أن نسأل: هل يرى بعض الإسلاميين السياسيين في التجربة السورية نموذجًا يمكن تكراره في مصر؟
الإجابة لا تحتاج إلى كثير من التأمل : سوريا ليست مصر
أخطر ما يمكن أن يقع فيه أي تحليل سياسي هو التعامل مع الدول وكأنها نسخ متطابقة.
سوريا خرجت من أكثر من عقد من الحرب الأهلية وانهيار مؤسسات وانتشار فصائل مسلحة وتدخلات إقليمية ودولية وانقسامات عميقة ذات أبعاد طائفية وعرقية ومناطقية. أما مصر فعلى الرغم من أزماتها وتحدياتها فهي دولة ذات مؤسسات راسخة وجيش وطني وأجهزة دولة ممتدة ومجتمع شديد التعقيد وتجربة تاريخية مختلفة تمامًا.
ولهذا فإن محاولة استنساخ المشهد السوري في مصر ليست قراءة سياسية وإنما وهم استراتيجي.
لكن هناك ما هو أخطر من الاستنساخ وهو محاولة صناعة البيئة التي تسمح به.
فالحروب الحديثة لا تبدأ دائمًا بالرصاص.
أحيانًا تبدأ بتغيير الصورة في الوعي العام وبحملات إعلامية منظمة وبإعادة تدوير روايات سياسية وبخلق حالة من اليأس وفقدان الثقة وبإقناع الناس بأن الدولة عاجزة وأن مؤسساتها فقدت شرعيتها وأن انهيارها أصبح مسألة وقت.
وهنا يجب أن ننتبه إلى أن الحملة الإعلامية ضد الدولة لا تصبح مؤامرة لمجرد أنها تنتقد السلطة. المعارضة حق والنقد السياسي ضرورة والصحافة الحرة جزء من أي مجتمع سليم.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول النقد إلى خطاب يستهدف الدولة ذاتها أو عندما تصبح الفوضى هدفًا أو عندما تتقاطع حملات متعددة في اتجاه واحد دون تقديم بديل سياسي وطني قابل للحياة.
الدرس السوري: التجربة السورية نفسها تقول إن إسقاط نظام سياسي لا يعني تلقائيًا بناء دولة أفضل.
فبعد سقوط الأسد لم تنتهِ المشكلات. بل بدأت مرحلة جديدة من الأسئلة الصعبة: من يملك السلاح؟ من يسيطر على الأرض؟ كيف تُدمج الفصائل؟ كيف تُحمى الأقليات؟ كيف تُبنى مؤسسات الدولة؟ وكيف تتحول سلطة الأمر الواقع إلى دولة ذات مؤسسات وقانون؟
وحتى الآن فلا تزال عملية الانتقال هشة فيما استمرت أعمال العنف والتوترات الطائفية والسياسية وأشارت تقارير بحثية إلى استمرار صعوبة توحيد القوى المسلحة وإحكام السيطرة المركزية.
بل إن أحد أكبر دروس سوريا هو أن تفكك الدولة أسهل كثيرًا من إعادة بنائها.
وهذه النقطة تحديدًا يجب ألا تغيب عن أي مصري، فمصر ليست ساحة تجارب ومن حق أي تيار سياسي أن يحلم بالوصول إلى السلطة عبر الوسائل السلمية والدستورية.
لكن لا أحد يملك حق تحويل مصر إلى مختبر لمشروع أيديولوجي أو مغامرة مسلحة أو صراع بالوكالة.
ومصر ليست مجرد نظام سياسي يمكن تغييره.. مصر دولة ومجتمع وجغرافيا وتاريخ ومؤسسات ومصالح لملايين المواطنين.
ومن ثم فإن الخلاف مع السلطة لا ينبغي أبدًا أن يتحول إلى خصومة مع الدولة كما أن رفض سياسات الحكومة لا يعني الرغبة في سقوط الوطن.
هذه التفرقة هي جوهر المسؤولية الوطنية. وهنا تأتي الحملة الإعلامية، ففي الأسابيع الأخيرة يمكن وبوضوح ملاحظة تصاعد الخطاب المعادي لمصر عبر مساحات مختلفة من الإعلام ومنصات التواصل وهو أمر يستحق القراءة الهادئة لا الانفعال.
السؤال ليس فقط: ماذا يقولون؟ بل: ماذا يريدون أن يحدث؟
ومن المستفيد من تحويل الخلاف السياسي إلى حالة عداء شامل للدولة؟ ومن المستفيد من ضرب الثقة في المؤسسات؟ ومن المستفيد من دفع الشباب إلى الاعتقاد بأن التغيير لا يمكن أن يحدث إلا عبر الانهيار والصدام؟
ومن يقف خلف هذه الخطابات.. ومن يمولها.. ومن يمنحها المنصات والانتشار؟
هذه أسئلة مشروعة.. لكن الإجابة عنها يجب أن تقوم على أدلة وتحقيقات ومعلومات موثقة.. لا على الاتهامات العشوائية أو نظريات المؤامرة.
فالمؤكد أن جماعات الإسلام السياسي لم تتخلَّ تاريخيًا عن فكرة الوصول إلى الدولة باعتبارها غنيمة سياسية أو مشروعًا أيديولوجيًا وليس باعتبارها وطنًا لجميع مواطنيها.
ولهذا فإن أي نجاح تحققه حركة ذات خلفية إسلامية في بلد عربي قد يتحول لدى بعض هذه الجماعات إلى مصدر إلهام ومحاولة لتقديم النموذج باعتباره قابلًا للتكرار.
لكن التجارب العربية نفسها تقول شيئًا آخر: لا توجد وصفة واحدة تصلح لكل دولة، والأخطر أن نجاح أي جماعة في الوصول إلى السلطة لا يعني بالضرورة نجاحها في إدارة الدولة.
وسوريا اليوم تقدم مثالًا واضحًا على حجم الفارق بين الوصول إلى السلطة وبناء دولة مستقرة.
ومصر أكبر من أي جماعة.. ومصر يمكن أن تختلف ويمكن أن تنتقد ويمكن أن تتغير سياساتها ويمكن أن تتسع مساحات العمل السياسي فيها ويمكن أن تكون هناك معارضة قوية وفاعلة.
بل إن الدولة التي لا تسمح بالنقد تتحول مع الوقت إلى دولة تخاف من نفسها. لكن كل ذلك يجب أن يحدث داخل إطار الدولة لا على أنقاضها.
ولهذا فإن الرسالة إلى كل من يراهن على تكرار السيناريو السوري في مصر بسيطة: (مصر ليست سوريا).
وتاريخها وتركيبتها ومؤسساتها وموقعها الإقليمي مختلفة. ومن يظن أن بإمكانه استدعاء الفوضى ثم التحكم في نتائجها فعليه أن يقرأ التاريخ جيدًا؛ لأن الفوضى حين تبدأ لا تسأل أصحابها عن نواياهم.
وأخيرًا..
إلى جماعات العنف والإرهاب وإلى كل من يفكر بمنطق إسقاط الدولة بدلًا من إصلاحها وإلى كل من يتصور أن مصر يمكن أن تكون ساحة لمغامرة جديدة:
هيهات.
ليس لأن مصر بلا مشكلات، بل لأن علاج مشكلات مصر يجب أن يكون بالمزيد من السياسة لا بالمزيد من الدماء وبالمزيد من المؤسسات لا بهدم المؤسسات وبالمزيد من الحوار لا بتحويل الخلاف إلى حرب أهلية.
أما الذين يريدون لمصر أن تعيد أخطاء غيرها فعليهم أن يعرفوا أن الشعوب ليست أوراقًا في دفاتر التنظيمات وأن الدول ليست غنائم في صراعات الأيديولوجيا.
الخلاف السياسي حق. .. المعارضة حق. .. النقد حق. لكن مصر ليست مشروعًا قابلًا للهدم ثم إعادة البناء على هوى أحد.
والدرس السوري الأهم ليس أن نظامًا سقط… بل أن سقوط النظام كان بداية امتحان أصعب بكثير: كيف تبني دولة بعد أن تهدمها؟
وهذا الامتحان مهما اختلفنا مع السلطة لا يجوز أن نتمنى لمصر أن تخوضه.



















