عندما يفقد بعض المشاهير الهفأ الإحساس بالناس
هناك تصريحات لا تحتاج إلى تفسير طويل حتى يدرك الإنسان مدى استفزازها، وهناك كلمات تكشف في لحظة واحدة حجم المسافة التي اتسعت بين بعض المشاهير وبين الناس الذين صنعوا شهرتهم.
وعندما يصل الأمر إلى الحديث عن عشرة ملايين جنيه في السنة باعتبارها مبلغًا لا يكفي للحياة إلا في ظروف معينة فإن السؤال لم يعد متعلقًا بحجم أجر الفنان ولا بحقه في أن يحصل على ما يريده من المال، السؤال أصبح متعلقًا بشيء أخطر بكثير وهو: هل فقد بعض النجوم إحساسهم بالواقع الذي يعيش فيه ملايين المصريين؟
أن يتقاضى الفنان أجرًا مرتفعًا فهذا أمر يمكن مناقشته في إطار السوق والعمل والنجاح، وأن يحقق شخص ثروة ضخمة فهذا ليس جريمة، لكن أن يتحول المال إلى معيار يجعل صاحبه عاجزًا عن إدراك معنى الأرقام بالنسبة إلى بقية الناس فهذه مشكلة أخلاقية واجتماعية تستحق النقد الشديد.
عشرة ملايين جنيه في السنة ليست مبلغًا عابرًا بالنسبة إلى المواطن المصري، إنها بالنسبة إلى ملايين الأسر رقم يفوق ما يمكن أن تجمعه خلال سنوات طويلة من العمل، وربما يكون من الصعب على أسرة كاملة أن تنفق واحدًا في المائة من هذا الرقم على مدار عام كامل، ومع ذلك يسمع المواطن أن هذا الرقم قد لا يكون كافيًا بالنسبة إلى أحد المشاهير.
هنا لا يستطيع المواطن أن يمنع نفسه من السؤال: في أي عالم يعيش هؤلاء؟، هل يعيشون في مصر التي يعيش فيها الموظف الذي يبحث عن أقل سعر للسلعة؟ هل يعرفون مصر التي يقف فيها الأب أمام مصروفات المدرسة وهو يحاول أن يجد طريقة لتدبيرها؟ هل يشعرون بما يشعر به المواطن عندما يدخل الصيدلية ويكتشف أن الدواء الذي كان يشتريه بسعر معين أصبح أغلى بكثير؟ هل يعرفون معنى أن يمر شهر كامل على أسرة وهي تحاول فقط ألا تتعرض لعجز مالي؟
أم أن هناك مصر أخرى يعيش فيها المشاهير لا يصل إليها صوت المواطن العادي ولا تصل إليها معاناته؟
المشكلة في هذه التصريحات ليست الرقم وحده، المشكلة في عقلية التعامل مع الرقم.
عندما يكون الإنسان محاطًا طوال الوقت بالرفاهية والسيارات الفارهة والمنازل الفخمة والسفر والمطاعم الغالية والدوائر الاجتماعية التي تتشابه فيها مستويات الدخل فمن الممكن أن يفقد تدريجيًا الإحساس بالقيمة الحقيقية للمال بالنسبة إلى الآخرين، لكن هذه ليست مشكلة المواطن حتى يتحمل نتائجها.
المواطن ليس مطالبًا بأن يتقبل استفزازه لمجرد أن من استفزه يظن انه نجم مشهور، ومن حق الناس أن تغضب، بل من حقها أن تسأل بحدة: من أعطى بعض المشاهير الحق في التعامل مع ملايين الجنيهات وكأنها مبلغ بسيط ثم مطالبة المواطن الذي يكافح من أجل أساسيات حياته بأن يتفهم ذلك؟
المواطن المصري لا يعترض على أن ينجح الفنان، ولا يطلب منه أن يعيش فقيرًا، ولا يحسده على ما وصل إليه، لكنه يرفض أن يسمع خطابًا منفصلًا تمامًا عن واقعه ثم يُطلب منه أن يبتلع غضبه ويعتبر الأمر مجرد رأي شخصي.
هناك فرق بين حرية الإنسان في الحديث وبين حصانة الإنسان من النقد، فمن حق الفنان إذا كان منزناً أن يقول ما يريد، ومن حق الناس أن تقول إن ما قاله مستفز ومستفحل في انفصاله عن الواقع، وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة الشهرة ليست رخصة لإهانة مشاعر الناس.
قد لا يقصد الفنان إهانة المواطن، لكن النتيجة الاجتماعية للتصريح لا تتحدد دائمًا بالنية، فأحيانًا يكون الإنسان غير مدرك لمدى قسوة كلامه لأنه يعيش في ظروف مختلفة تمامًا، ولذلك فإن المشكلة تصبح أكبر عندما لا يرى صاحب التصريح أي سبب للاعتذار أو التوضيح أو حتى الاعتراف بأن كلامه قد يبدو صادمًا لمجتمع يعاني اقتصاديًا.
كيف يمكن لشخص أن يسمع أن ملايين المصريين يعانون من ارتفاع الأسعار وتراجع قدرتهم على شراء احتياجاتهم الأساسية ثم يتحدث عن عشرة ملايين جنيه باعتبارها مبلغًا لا يكفي؟
هذه ليست مجرد فجوة في وجهات النظر، هذه فجوة في الإحساس، والمجتمع الذي تزداد فيه الفجوة بين طبقات الناس يحتاج إلى قدر أكبر من الحساسية في الخطاب لا إلى مزيد من الاستفزاز.
المؤسف أن بعض المشاهير يتعاملون أحيانًا مع الجمهور باعتباره مجرد مستهلك، يشاهد العمل ويدفع ثمن التذكرة ويتابع المسلسل ويرفع نسب المشاهدة ويصنع الترند ثم ينتهي الأمر. لكن الجمهور ليس ماكينة أموال، الجمهور بشر له ظروفه ومشكلاته وكرامته ومشاعره.
والفنان الذي صنع اسمه من حب الناس وأموالهم له يجب ألا ينسى أن هؤلاء الناس أنفسهم هم الذين منحوه القوة التي جعلته قادرًا على التفاوض على ملايين الجنيهات.
ولذلك فإن أكثر ما يثير الغضب أن بعض المشاهير يتحدثون عن أجورهم بطريقة توحي وكأن الأموال الضخمة أمر طبيعي لكل إنسان، لا يا سادة، ليست طبيعية بالنسبة إلى المواطن الذي يستيقظ صباحًا ليعمل من أجل راتب محدود.
وليست طبيعية بالنسبة إلى الشاب الذي يبحث عن وظيفة، وليست طبيعية بالنسبة إلى الأسرة التي تقسم دخلها بين الطعام والسكن والمواصلات والتعليم والعلاج، الملايين التي تبدو صغيرة في حسابات بعض النجوم هي عمر كامل بالنسبة إلى آخرين.
وهذا وحده كافٍ لكي يدفع الشخص العام إلى التفكير عشر مرات قبل أن يتحدث، أما السؤال الأكثر إحراجًا فهو: أين المسؤولية؟ أين مسؤولية الفنان إذا كان فنان حقاً تجاه جمهوره؟ وأين مسؤولية المؤسسات الفنية والإعلامية في منع تحول الحديث عن المال إلى مهرجان لاستفزاز المواطنين؟ ولماذا لا يدرك بعض النجوم أن هناك فرقًا بين أن تقول إن أجرك مرتفع لأنك تعمل وتقدم قيمة فنية وبين أن تجعل المواطن يشعر بأن دخله الضئيل لا يساوي شيئًا أمام حياة لا يبدو فيها عشرة ملايين جنيه مبلغًا كافيًا؟
إذا كان الفنان يريد الحديث عن تكاليف حياته فليتحدث. وإذا كانت لديه التزامات ضخمة فليشرحها، وإذا كان الرقم قبل الضرائب أو يتضمن مصروفات مهنية فليوضح ذلك، لكن تحويل المسألة إلى مقارنة مع الحياة الطبيعية للمواطن هو ما يجعل التصريح مستفزًا، المواطن ليس ساذجًا.
هو يعرف أن المشاهير يعيشون حياة مختلفة. لكنه يريد فقط أن يرى منهم قدرًا من التواضع والإحساس بالناس، ومن المؤلم أن يطلب المواطن ذلك أصلًا، فهل أصبح الإحساس بالناس رفاهية؟ هل أصبح الاعتراف بأن عشرة ملايين جنيه مبلغ ضخم أمرًا يستدعي التوضيح؟
هل وصل الانفصال عن الطبقات الشعبية إلى درجة أن المواطن الذي يعيش بآلاف الجنيهات سنويًا يجب أن يستمع إلى حديث عن ملايين الجنيهات ثم يبتسم ويتفهم؟ هذا ليس عدلًا في الخطاب.
والأكثر استفزازًا أن بعض المشاهير قد يتحدثون عن صعوبة الحياة وكأنهم جزء من المعاناة نفسها، بالطبع يحق لأي إنسان أن تكون لديه مشكلات مهما كان دخله، لكن هناك فرقًا بين مشكلة شخص يملك ملايين الجنيهات وبين مشكلة إنسان لا يستطيع توفير احتياجات أسرته الأساسية.
لا يمكن وضع المعاناة في سلة واحدة، من لا يستطيع شراء دوائه ليس كمن يبحث عن مستوى رفاهية أعلى، ومن يخشى دفع إيجاره ليس كمن يقلق من تكلفة نمط حياة فاخر، ومن يؤجل زواجه سنوات لأنه لا يستطيع تحمل تكاليفه ليس كمن يرى أن دخله الكبير غير كافٍ لتوفير المستوى الذي اعتاده.
وهنا يجب أن يتوقف بعض المشاهير عن لعب دور الضحية الاقتصادية، لا أحد يمنعهم من الثراء، لكن لا يجوز أن يتحول الثراء إلى شكوى أمام شعب يعاني من ضيق المعيشة.
إن المواطن المصري لا يريد من الفنان أن يشعر بالذنب لأنه نجح، ولكنه يريد منه ألا يتعامل مع ثروة ضخمة وكأنها الحد الأدنى الطبيعي للحياة، النجاح لا يبرر فقدان البوصلة، والمال لا يشتري الإحساس، والشهرة لا تعني أن صاحبها فوق النقد، بل العكس تمامًا، كلما ارتفعت شهرة الإنسان زادت مسؤوليته عن كلامه، وكلما أصبح صوته مسموعًا لدى ملايين الناس أصبح من واجبه أن يعرف كيف يستخدم هذا الصوت.
أما من يصر على أن ما قاله مجرد رأي شخصي فليتذكر أن الشخصيات العامة لا تتحدث في غرف مغلقة، كلماتهم تصل إلى الناس وتؤثر فيهم وتكشف كثيرًا عن طريقة تفكيرهم، ومن حق الجمهور أن يحكم على هذا التفكير.
قد يقول قائل إن المواطن غاضب بسبب ظروفه الاقتصادية ولذلك أصبح حساسًا تجاه ثروات الآخرين، وهذا جزء من الحقيقة، لكن هذا تحديدًا هو السبب الذي يجعل المسؤولية أكبر على المشاهير، الإنسان الذي يعرف أن الناس تعاني يجب أن يكون أكثر حذرًا في حديثه عن المال لا أقل.
إن استفزاز الفقير بالحديث عن الملايين ليس شجاعة ولا ادب ولا اخلاق من هذا الوسط الذي اشاع كل نقيصه
إنه قلة تقدير لحجم الفجوة الاجتماعية، والحديث عن عشرة ملايين جنيه باعتبارها مبلغًا غير كافٍ يجب ألا يمر باعتباره مجرد نكتة أو تصريح عابر.
لأنه يكشف عن مشكلة أعمق من التصريح نفسه وهي مشكلة مجتمع أصبحت فيه المسافة بين بعض أصحاب الدخول الضخمة وبين المواطن العادي هائلة إلى درجة أن الكلمات نفسها لم تعد تحمل المعنى ذاته للطرفين، المواطن يسمع عشرة ملايين فيفكر في بيت يمكن أن يشتريه أو مستقبل يمكن أن يؤمنه أو مشروع يمكن أن يبدأه أو أسرة يمكن أن يعيشها بأمان، بينما يسمعها النجم فيفكر في مستوى المعيشة الذي اعتاد عليه، وهنا يظهر الفرق.
ولذلك فإن النقد القاسي لهذه التصريحات ليس كراهية للفن ولا حقدًا على الفنانين، إنه دفاع عن حق المواطن في أن يقول إن هناك حدودًا للانفصال عن الواقع، نحن نحتاج إلى نجوم يشعرون بالناس لا نجوم يشرحون للناس لماذا ملايين الجنيهات لا تكفيهم.
نحتاج إلى مشاهير يعرفون قيمة النعمة التي يعيشون فيها ويقدرون الجمهور الذي صنع نجاحهم، نحتاج إلى خطاب لا يجعل المواطن يشعر بأنه فقير حتى في وطنه بينما يسمع من أصحاب الملايين شكاوى من عدم كفاية الملايين.
وفي النهاية فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: هل عشرة ملايين جنيه تكفي الفنان؟
السؤال الذي يجب أن يبقى مطروحًا هو: هل يكفي ما لدى بعض المشاهير من مال وشهرة حتى يفقدوا الإحساس بالمصري الذي يقف كل يوم في طابور الحياة محاولًا أن يحافظ على كرامته؟
ومن يحاسب هؤلاء عندما تتحول كلماتهم إلى صفعة على وجه مواطن يكافح من أجل لقمة العيش؟، لا نريد محاكمات ولا مصادرة للأموال ولا منعًا للنجاح.
نريد فقط أن يفهم بعض المشاهير حقيقة بسيطة جدًا:
ما تعتبره أنت مبلغًا لا يكفيك قد يكون بالنسبة إلى مواطن مصري حلمًا لا يستطيع حتى أن يسمح لنفسه بالحلم به، وهذا المواطن الذي يشتري تذكرتك ويتابع أعمالك ويمنحك المشاهدة والشهرة يستحق منك شيئًا بسيطًا اسمه الاحترام، فالنجومية من دون إحساس بالناس ليست نجاحًا كاملًا، والثروة من دون تواضع قد تتحول إلى استفزاز، والشهرة التي تنفصل عن الجمهور تتحول في النهاية إلى مجرد صورة على شاشة.
أما الناس الذين صنعوا هذه الصورة فهم أحق بأن يسمعوا كلمة واحدة من نجومهم، نحن نعرف أن حياتكم مختلفة عن حياتنا، لكن لا تجعلونا نشعر بأن معاناتنا لا قيمة لها.





















