في تاريخ الأغنية الشعبية المصرية، هناك أصوات لا يمكن أن تمر عليها السنوات بسهولة، لأنها ارتبطت بذاكرة الناس ومناسباتهم وأفراحهم، ومن بين هذه الأصوات تأتي فاطمة عيد، التي استطاعت أن تجعل من الغناء الشعبي مشروعًا فنيًا امتد لأكثر من أربعة عقود، وحافظت خلاله على خصوصية اللون المصري الفلكلوري.
الميلاد والنشاة..
ولدت فاطمة عيد في القنايات بمحافظة الشرقية، وتخرجت في معهد الموسيقى العربية قسم الأصوات، لكن علاقتها بالغناء بدأت قبل الدراسة الأكاديمية بسنوات طويلة ، إذ كانت تغني منذ طفولتها في الأفراح والمناسبات وهي في السادسة من عمرها ، قبل أن تتحول موهبتها الفطرية إلى مشوار احترافي ، وكانت مطلوبة لإحياء المناسبات في قريتها.
من أفراح القرى إلى شهرة الوطن العربي…
اختارت فاطمة عيد طريقًا لم يكن سهلًا، إذ تمسكت بالأغنية الشعبية والفلكلور المصري في وقت كانت فيه الساحة الغنائية تشهد تغيرات كبيرة، لكنها استطاعت أن تقدم هذا اللون بصوتها وشخصيتها، لتصبح أغانيها جزءًا أساسيًا من أجواء الأفراح والاحتفالات المصرية. ومن أشهر أغنياتها “سلمولي عليه”، و”يا جنيه يا أبو مروحة”، و”بس عريسنا ييجي”، كما شاركت في الحملة القومية لتنظيم الأسرة بأغنية “حسانين ومحمدين”، ولم يتوقف انتشارها عند حدود مصر، بل أحيت حفلات في عدد من الدول العربية والأوروبية وشاركت في مهرجانات فنية بارزة، من بينها مهرجان قرطاج في تونس.
أصدرت فاطمة عيد أكثر من 45 ألبومًا وشاركت في مهرجان قرطاج أكثر من 15 مرة.
الأبنودي وبليغ والشريعي..
لم تعتمد تجربتها على الطابع الشعبي وحده، وإنما استفادت من تعاونها مع عدد من كبار الشعراء والملحنين و تعاونها مع أسماء كبيرة مثل عبد الرحمن الأبنودي، الذي كتبت لها نحو 30 أغنية، إلى جانب عبد السلام أمين وعبد الوهاب محمد، كما تعاونت موسيقيًا مع سيد مكاوي وبليغ حمدي وعمار الشريعي وجمال سلامة، وهذه الأسماء تكشف جانبًا مهمًا من تجربتها، ففاطمة عيد لم تكن مجرد صوت للأفراح، وإنما كانت مطربة شعبية استطاعت أن تلتقي بمبدعين من مدارس موسيقية وشعرية مختلفة، وأن تحمل الأغنية المصرية البسيطة إلى مساحة فنية أوسع.
“أفواه وأرانب”..
من الغناء الشعبي إلى السينما امتدت تجربة فاطمة عيد أيضًا إلى السينما والتليفزيون، وكان من أبرز حضورها الغنائي في فيلم “أفواه وأرانب” عام 1977، حيث قدمت تتر البداية والنهاية بأغنية “توتا توتا توتا ولا تخلص الحدوته”، كما شاركت بالغناء في عدد من الأعمال السينمائية، منها “كيدهن عظيم” و”عطشانة” و”الكابتن وصل”، وظهرت غنائيًا في مسلسل “الكبير أوي”.
شفيق الشايب..
ارتبطت فاطمة عيد باللواء والفنان شفيق الشايب الزوج والشريك والداعم في حياتها ، الذي كان أيضًا مديرًا لأعمالها، وكان له دورا كبيرا في مسيرتها الفنية، و كان أكثر شخص ساندها في مشوارها الفني، ووصفت العلاقة بينهما بأنها قائمة على الحب والدعم، مؤكدة أن وجوده بجوارها كان أحد أسباب استمرارها ونجاحها، ولم تكن علاقة فاطمة عيد بأسرة زوجها تقليدية، إذ كانت تجمعها صداقة مع زوجته الأولى،وأنها اعتبرت أبناء زوجها منها أبناءً لها أيضًا، اما عن بناتها وعلاقتها الأسرية التي ظلت بالنسبة لها مصدرًا أساسيًا للدفء والاستقرار.
شيماء وداليا ونفين الشايب ..
أكثر ما يربط عائلة فاطمة عيد بالفن ابنتها شيماء الشايب، التي اختارت هي الأخرى طريق الغناء، وتحدثت فاطمة عيد بفخر عن موهبة ابنتها، مؤكدة أنها تمتلك صوتًا مميزًا، وأن والدها شفيق الشايب اكتشف موهبتها خلال إحدى الرحلات العائلية إلى الإسكندرية، كما وصفتها بأنها “سابقة سنها” في الغناء، في إشارة إلى نضج موهبتها في سن مبكرة، وهكذا لم تكن الموسيقى مجرد مهنة في بيت فاطمة عيد، بل تحولت إلى لغة مشتركة بين أفراد الأسرة، وانتقلت التجربة من جيل إلى آخر، وإن اختلفت طبيعة اللون الذي تقدمه شيماء عن اللون الشعبي الذي اشتهرت به والدتها، أما داليا الشايب، فقد اختارت أن يكون الغناء الموجه للأطفال هو طريقها الفني، واستطاعت أن تحقق حضورًا مميزًا في هذا اللون، حتى أصبحت من الأسماء المعروفة في مجال أغاني الأطفال، مقدمة أعمالًا تحمل طابعًا بسيطًا وقريبًا من عالم الصغار، أما نيفين الشايب فضّلت الابتعاد عن الساحة الفنية والأضواء، لتختار لنفسها طريقًا بعيدًا عن عالم الشهرة، في الوقت الذي استمرت فيه شقيقتاها داليا وشيماء في الارتباط بالغناء، كلٌ بطريقته الخاصة.
وهكذا توزعت التجربة الفنية داخل أسرة فاطمة عيد بين من اختارت الاستمرار في الفن، ومن فضّلت الابتعاد عنه، لتظل لكل واحدة من بناتها حكايتها الخاصة، بينما بقيت الأم صاحبة البصمة الأبرز في تاريخ الأسرة الفني.
فاطمة عيد.. حين يصبح الفلكلور ذاكرة
ربما تكمن أهمية فاطمة عيد الحقيقية في أنها لم تحاول أن تكون نسخة من أحد، ولم تتخلَّ عن اللون الذي صنع اسمها من أجل ملاحقة الموضات الغنائية، فهي تعرف جيدًا أن الأغنية الشعبية المصرية ليست مجرد “أغنية فرح”، وإنما جزء من ذاكرة المجتمع، تحمل عاداته ولهجته وأفراحه وأحلامه، ولهذا بقيت أغنياتها حاضرة، حتى مع تغير الأجيال وتبدل شكل صناعة الموسيقى،وبعد أكثر من أربعين عامًا على بداية مشوارها، ما زالت فاطمة عيد قادرة على العودة إلى الجمهور بالصوت نفسه والروح نفسها، لتؤكد أن بعض الأصوات لا تنتمي إلى زمن بعينه، وإنما تصبح جزءًا من ذاكرة الوطن.
وفى النهايه نستطيع ان نقول فاطمة عيد مطربة بدأت من فرح القرية، ووصل صوتها إلى المسارح العربية والدولية، ودخل السينما والتليفزيون، ثم وجدت امتدادًا فنيًا داخل بيتها من خلال اعمالها الخالدة، لتظل حكايتها واحدة من الحكايات المميزة في تاريخ الغناء الشعبي المصري.




















