لم تعد قصة سد جوليوس نيريري مجرد قصة عن تسعة توربينات تنتج 2115 ميجاوات من الكهرباء، ولا عن سد ضخم يبلغ ارتفاعه 131 مترًا وخزان تصل سعته إلى نحو 34 مليار متر مكعب، القصة الأهم موجودة خارج جسم السد نفسه.
ماذا يعني أن تكون مصر هي التي بنت هذا المشروع؟
السؤال مهم لأن تنزانيا ليست دولة بعيدة عن حسابات القاهرة الأفريقية، هي دولة من دول حوض النيل، ومصر تعرف جيدًا أن معركة المياه لا تُدار فقط عند مجرى النهر، وإنما أيضًا في فضاء سياسي أوسع اسمه «حوض النيل».
لكن هنا تحديدًا تظهر المفارقة التي تستحق التحليل؛ مصر لا تقول لتنزانيا: لا تبني سدًا؛ بل ذهبت إليها وبنت لها سدًا.
والأكثر دلالة أن هذا المشروع الضخم يقع على نهر روفيجي، وليس على النيل، وبالتالي لا يمثل في ذاته اقتطاعًا من حصة مصر من مياه النيل.
وهنا يصبح الموقف المصري أكثر وضوحًا: المشكلة ليست في التنمية، وإنما في طريقة إدارة الموارد المائية عندما تكون هناك مصالح مشتركة بين دول النهر.
وهذا فارق سياسي بالغ الأهمية.
فلو أرادت مصر أن تقدم نفسها أمام أفريقيا باعتبارها الدولة التي تريد منع دول حوض النيل من استغلال مواردها، لكان من الصعب أن يكون مشروع جوليوس نيريري هو الصورة التي تختار أن تقدم بها نفسها.
لكن القاهرة اختارت العكس، اختارت أن تقول بالفعل، وليس بالكلام فقط: نحن قادرون على أن نبني معكم.
وهنا تدخل الشركات المصرية إلى المعادلة، «المقاولون العرب» و«السويدي إليكتريك» لم يكونا مجرد منفذين لمشروع تجاري، وإنما أصبحا جزءًا من حضور مصري طويل الأمد في تنزانيا.
فالمشروع نفسه استغرق سنوات من العمل والمتابعة الحكومية المصرية، وصولًا إلى افتتاحه رسميًا في أغسطس 2026 بحضور رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ممثلًا للرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيسة التنزانية سامية حسن.
وهذا يعني أن الدولة المصرية لم تتعامل معه باعتباره عقدًا لشركتين وانتهى الأمر.
كان هناك إدراك سياسي لأهمية المشروع.
ولعل هذا هو التطور الأهم في طريقة إدارة مصر لعلاقاتها الأفريقية خلال السنوات الأخيرة.
القاهرة تحاول أن تنتقل من فكرة «الحضور السياسي» إلى فكرة «الشراكة التي يراها المواطن الأفريقي على الأرض».
طريق يُبنى.
محطة كهرباء تُشيد.
سد يدخل الخدمة.
مشروع زراعي يبدأ.
ميناء يجري تطويره.
خط نقل يُخطط له.
هذه الأشياء قد لا تصنع عناوين الصحف كل يوم، لكنها تصنع شيئًا أكثر أهمية: مصالح مشتركة.
واللافت أن هذا الاتجاه لا يتوقف عند سد جوليوس نيريري.
فخلال زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تنزانيا في يوليو 2026، جرى بحث مشروعات تعاون في الزراعة والموانئ والنقل والطاقة واللوجستيات، إلى جانب مشروع لاستصلاح الأراضي الزراعية ومشروعات لزيادة التجارة والاستثمار بين البلدين.
وهنا نفهم أن السد ليس نقطة منفردة، إنه جزء من شبكة علاقات، وهذه الشبكة قد تكون في النهاية أهم من المشروع نفسه.
لأن الدول لا تبني نفوذها فقط بعدد البيانات التي تصدرها وزارات الخارجية، وإنما بعدد المصالح التي تربطها بالدول الأخرى.
وهنا تصبح مصر أمام فرصة حقيقية، فأفريقيا تحتاج إلى الكهرباء، وتحتاج إلى الطرق والموانئ، وتحتاج إلى الزراعة، وتحتاج إلى شبكات النقل، وتحتاج إلى الخبرة في إدارة المياه، وتحتاج قبل كل شيء إلى شركاء قادرين على تحويل الخطط إلى مشروعات.
ومصر تملك جزءًا معتبرًا من هذه الخبرة.
إذن لماذا لا تستخدمها؟
بل إن استخدام هذه الخبرة قد يكون واحدًا من أذكى أدوات السياسة الخارجية المصرية.
بدل أن تسأل القاهرة فقط: من يقف معنا في ملف المياه؟ يمكنها أن تسأل أيضًا: ماذا نستطيع أن نبني معًا؟
والفرق بين السؤالين كبير.
الأول يبحث عن موقف سياسي، والثاني يصنع مصلحة، والمصلحة عادة أكثر قدرة على البقاء.
وهنا نعود إلى إثيوبيا.
فالمشكلة المصرية مع سد النهضة ليست أن إثيوبيا بنت سدًا لإنتاج الكهرباء.
مصر نفسها بنت سدودًا، وتشارك في بناء سدود، وتدعم حق دول حوض النيل في التنمية والاستفادة من مواردها.
القضية المصرية، كما تقول القاهرة، تتعلق باستخدام مياه النيل بما لا يضر بحقوق ومصالح دولتي المصب، وضرورة وجود قواعد واتفاقات واضحة وملزمة لإدارة الآثار العابرة للحدود.
وهذا تحديدًا ما يجعل وجود سد جوليوس نيريري مهمًا سياسيًا.
إنه يقدم نموذجًا آخر للسد.
سد ينتج الكهرباء لتنزانيا، ويخدم التنمية فيها، وتنفذه شركات مصرية، ولا يتحول إلى معركة بين دولتين.
وهنا الرسالة التي يمكن أن تصل إلى أفريقيا كلها:
مصر ليست ضد السدود.. مصر ضد الإضرار بمصالحها المائية.
والفارق بين الاثنين هو الفارق بين دولة ترفض التنمية، ودولة تبحث عن تنمية مشتركة.
ولذلك فإن أخطر قراءة لسد جوليوس نيريري هي أن نضعه في خانة «سد آخر في أفريقيا».
أما القراءة الأعمق فهي أن مصر تحاول بناء نموذج مختلف لحضورها في القارة.
نموذج لا يعتمد فقط على التاريخ والجغرافيا والعلاقات السياسية.
بل على المشروع والمصلحة والشركة والخبرة والاقتصاد.
وهنا تحديدًا يمكن أن نفهم لماذا كان حضور رئيس الوزراء المصري في افتتاح السد بهذه الرمزية.
القاهرة لم تكن تحتفل فقط بنجاح مشروع مصري في الخارج، كانت تحتفل بنجاح فكرة:
أن مصر تستطيع أن تصنع نفوذها الأفريقي وهي تبني.
وهذا النفوذ، إذا استمر واتسع، يمكن أن يكون أحد أهم أوراق مصر في السنوات المقبلة.
لأن أفريقيا لن تتذكر فقط من تحدث معها عن المستقبل.
ستتذكر أيضًا من ساعدها على بناء هذا المستقبل.
ومن النيل إلى روفيجي، ربما تكون هذه هي الحكاية الأهم:
مصر لا تترك معركة المياه، لكنها بدأت توسع تعريفها للمعركة.
فالمياه مهمة.
لكن من يبني، ويستثمر، ويزرع، وينقل الكهرباء، ويفتح الأسواق، ويخلق المصالح المشتركة، يمتلك أيضًا شيئًا لا يقل أهمية:
القدرة على أن يكون حاضرًا عندما تتغير خرائط النفوذ.





















