كل حضارة تُختبر في اللحظة التي يتعارض فيها حقان مشروعان، حق المستثمر الذي خاطر بماله وعلمه ووقته ليبتكر جديدًا، وحق الإنسان الذي قد تتوقف حياته على الوصول إلى ذلك الجديد أو إلى المعرفة التي تقود إليه.
هنا لا يعود السؤال اقتصاديًا فحسب، ولا قانونيًا فحسب، ولا طبيًا فحسب، بل يصبح سؤالًا أخلاقيًا عن طبيعة الحضارة التي نريد أن نبنيها، أين ينتهي حق المستثمر… وأين يبدأ حق الإنسان؟
أنا رجل ليبرالي الفكر وأؤمن بآليات السوق اقتصاديًا، ولكني ليبرالي اجتماعي، أي أضع حقوق الإنسان أمام عقلي وعيني في الممارسة السياسية والاقتصادية، أؤمن أن القطاع الخاص دوره حيوي في الاقتصاد، ولا يجب أن تنافسه مؤسسات الدولة، فدورها تنظيمي وتشريعي ورقابي، وليس منافسًا في السوق.
ومع ذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الفكر الليبرالي يظهر في مجالات التعليم، والرعاية الصحية، والمواصلات العامة، والضمان الاجتماعي، ونسبيًا في توفير السكن والمعاش.
كنت في بداية عملي السياسي لا أرى الفروق واضحة كما هي الآن في وجداني، فهذه ليست مجرد سلع تتوافر حسب مقدرة المواطن، بل حقوق يجب أن تتوافر للإنسان بغض النظر عن ثروته أو مكانته الاجتماعية، وإذا خرجنا خارج نطاق الدولة، فإن التعليم والرعاية الصحية ليسا منحة تمنحها الحكومات أو الأسواق، وإنما حقان إنسانيان لا ينبغي التراجع عنهما مهما اختلفت الأيديولوجيات السياسية.
ولعل أكثر المجالات التي يتجسد فيها هذا التوازن الصعب بين منطق السوق ومنطق الحق الإنساني هو صناعة الدواء. فهي صناعة تقوم على الاستثمار والمخاطرة والابتكار، لكنها في الوقت نفسه تتعامل مع أغلى ما يملكه الإنسان: حياته.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف نحمي المستثمر دون أن نحرم المريض؟ وكيف نحفظ الابتكار دون أن نؤخر المعرفة؟ أدخل من العام إلى موضوع المقال، وهو صناعة الدواء وحماية المعرفة، فليست كل معركة تدور حول الدواء معركةً بين المرض والشفاء.
فهناك معارك أخرى أقل ظهورًا، لكنها ربما أكثر تأثيرًا في مستقبل الإنسانية، من أهمها ذلك السؤال الذي يتكرر كلما ظهر اكتشاف طبي كبير: هل المعرفة العلمية ملكٌ لمن اكتشفها، أم حقٌ لمن يحتاجها؟
في الآونة الأخيرة، برز اتجاه إلى تقييد وصول بعض نتائج الأبحاث الإكلينيكية إلى المنافسين الدوليين، بحجة حماية الابتكار ومنع استغلاله، خاصة في ظل المنافسة المتسارعة مع الصين، السبب مفهوم، فشركات الدواء الكبرى تستثمر عشرات المليارات من الدولارات في رحلة قد تمتد خمسة عشر عامًا أو أكثر، تبدأ من فكرة في معمل، وتنتهي – إن نجحت – بعقار جديد. وبين البداية والنهاية تسقط آلاف المحاولات الفاشلة التي تحملتها الشركة وحدها.
من دون حماية حقوق الملكية الفكرية، قد يتراجع الحافز إلى الاستثمار، ويتباطأ الابتكار، ويخسر الجميع، لكن… هل تنتهي القضية عند هذا الحد؟ أظن أنها تبدأ من هنا.
فالحديث هنا ليس عن سرقة تركيبة دواء، ولا عن تصنيع نسخة مقلدة، ولا عن انتهاك براءة اختراع، الحديث عن شيء مختلف تمامًا، إنه يتعلق بإتاحة المعرفة العلمية التي تسمح للباحثين الآخرين بتكرار الدراسات، وتوسيعها، واختبارها على أعداد أكبر من المرضى، وفي بيئات جينية وعرقية مختلفة، بما يسرّع الوصول إلى نتائج أكثر يقينًا.
في العلوم الطبية، لا تُعد إعادة التجربة تكرارًا بلا قيمة، بل هي أحد أهم شروط اليقين العلمي، فالنتيجة التي تثبت مرة واحدة ليست كافية، أما النتيجة التي تتكرر في دول متعددة، وعلى شعوب مختلفة، وبواسطة فرق مستقلة، فهي التي تتحول إلى حقيقة علمية يمكن الوثوق بها.
ولعلنا هنا نحتاج إلى التمييز بين مفهومين كثيرًا ما يختلطان: الملكية والمعرفة، فالملكية بطبيعتها تقوم على الاستبعاد؛ فما أملكه لا يملكه غيري، أما المعرفة، فكلما انتشرت ازدادت قوة، وكلما شاركها الباحثون اتسعت قدرتها على إنتاج معرفة جديدة.
ومن هنا تنشأ المعضلة: هل يجوز أن نتعامل مع المعرفة العلمية، التي قد تنقذ حياة ملايين البشر، بالمنطق نفسه الذي نتعامل به مع أي أصل تجاري آخر؟
وهنا يبرز سؤال فلسفي بالغ الأهمية: هل حجب المعلومات العلمية يحمي الابتكار.. أم يؤخر المعرفة؟
قد يرى البعض أن منع المنافسين من الوصول إلى البيانات يمنح الشركات وقتًا أطول لاسترداد استثماراتها، وربما يكون ذلك صحيحًا اقتصاديًا، لكن من منظور الصحة العامة، فإن الزمن نفسه قد يكون هو الثمن.
فكل شهر يتأخر فيه الوصول إلى علاج أكثر فاعلية قد يعني آلاف المرضى الذين لم تتح لهم فرصة الشفاء، ومن هنا تنشأ المفارقة، فما يحمي الاستثمار قد يؤخر إنقاذ الإنسان، وما يسرع المعرفة قد يقلل العائد الاقتصادي، أي الحقين أولى؟
لا أعتقد أن الإجابة يجب أن تكون باختيار أحدهما وإلغاء الآخر، فالابتكار يحتاج إلى حماية، لكن المعرفة الطبية تحتاج كذلك إلى الانفتاح.
والحل لا يكون بإلغاء حقوق الملكية الفكرية، بل بالفصل بين أمرين كثيرًا ما يختلطان: الأول هو الحق في الاحتكار التجاري المؤقت، وهو حق مشروع يكفله القانون ليشجع الابتكار.
أما الثاني فهو الحق في احتكار المعرفة العلمية نفسها.
وهنا يصبح الأمر أكثر تعقيدًا، فالمعرفة التي قد تنقذ ملايين البشر لا تشبه أي سلعة أخرى، الدواء ليس هاتفًا جديدًا، ولا برنامجًا للحاسوب، ولا سيارة أكثر تطورًا، إنه يتعلق بحياة الإنسان ذاتها.
ولهذا فإن الأخلاق الطبية منذ نشأتها قامت على مبدأ أن المعرفة التي تنقذ الحياة ينبغي أن تنتشر، لا أن تُحبس، مع احترام الحقوق المشروعة لمن أنتجها، لقد علمتنا جائحة كوفيد-19 أن الفيروس لا يعترف بالحدود، والعلم أيضًا يجب ألا تعوقه الحدود أكثر مما تقتضيه العدالة.
ولو أتيح لفرق بحثية حول العالم أن تعمل بالتوازي على البيانات ذاتها، فقد نصل إلى إجابات أسرع، ونكتشف استخدامات جديدة للأدوية القائمة، ونختصر سنوات من البحث، ونوفر مليارات الدولارات، والأهم من ذلك… ننقذ أرواحًا كان يمكن أن نفقدها انتظارًا.
ربما تخشى الدول من انتقال التفوق العلمي إلى منافسيها، وربما تخشى الشركات من انخفاض أرباحها، لكن ينبغي ألا ننسى أن الغاية الأولى من الطب لم تكن يومًا تعظيم الأرباح، بل تقليل المعاناة الإنسانية.
ولهذا أتصور أن المستقبل لن يكون في الاختيار بين حماية الابتكار أو نشر المعرفة، بل في بناء نظام عالمي أكثر ذكاءً يحقق الأمرين معًا، نظام يحفظ للمبتكر حقه الكامل في الملكية الفكرية والعائد الاقتصادي.
وفي الوقت نفسه، يسمح بتداول المعرفة العلمية، وتكرار الدراسات، والتعاون البحثي المنظم، تحت قواعد قانونية واضحة تضمن عدم الاستغلال التجاري غير المشروع، فالفرق كبير بين سرقة الابتكار، وبين تسريع المعرفة، وبين تقليد الدواء، وبين تعجيل الوصول إلى الحقيقة العلمية.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي سيواجه الإنسانية مع كل اكتشاف جديد: حين يصبح إنقاذ حياة إنسان متوقفًا على معلومة علمية، هل تبقى هذه المعلومة ملكًا خاصًا.. أم تتحول إلى جزء من التراث المشترك للإنسانية؟
هل سنقيس نجاح العلم بما يكسبه المستثمر أم بما ينقذ الإنسان؟ ولعل الحضارة الحقيقية تبدأ يوم نستطيع أن نحقق الأمرين معاً.




















