فوجئت بأحد الباحثين عن الشهرة يروي أنه كان يؤدي صلاة الجمعة، ثم سمع الخطيب يقول إن قبر أحد الأنبياء قد فُتح بعد ثلاثمائة عام من وفاته، فوجد جسده كما هو لم يتحلل، فهب واقفًا معترضًا، موجهًا كلامه للخطيب، أن مثل هذا الكلام يتعارض مع العلم.
والحقيقة أن هذا الطرح يثير تساؤلين مهمين، الأول يتعلق بصحة الرواية نفسها، وهل ثبت أصلًا أن خطيبًا قال هذا الكلام، أم أنها مجرد قصة رويت دون دليل؟ أما الثاني، وهو الأهم، فهو أن الاعتراض انطلق من تصور أن كل ما لا يفسره العلم التجريبي اليوم فهو مستحيل، وهذا فهم لا ينسجم مع العقيدة الإسلامية التي تقوم في أصلها على الإيمان بقدرة الله سبحانه وتعالى، التي لا يحدها قانون، ولا تقف أمامها السنن الكونية إذا شاء الله خرقها، واليقين أعلى درجات الإيمان.
إن المسلم يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى هو خالق الأسباب، وهو القادر على تعطيلها متى شاء، ولذلك فإن المعجزات لم تكن يومًا خاضعة لقوانين الطبيعة المعتادة؛ لأنها وقعت بإرادة الله عز وجل، لتكون آيات على صدق رسله، ودلائل على كمال قدرته.
ومن هنا، فإن الاحتكام إلى القوانين المادية وحدها للحكم على كل ما ورد في النصوص الدينية يمثل خلطًا بين عالم الغيب الذي يقوم على الوحي، وبين عالم الشهادة الذي يقوم على التجربة والمشاهدة.
ومن يتأمل القرآن الكريم يجد عشرات الأمثلة التي تؤكد أن قدرة الله فوق كل تصور، فأصحاب الكهف لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا، ثم بعثهم الله وكأنهم ناموا يومًا أو بعض يوم، والعزير أماته الله مائة عام ثم بعثه، وسأله كم لبث، فقال: لبثت يومًا أو بعض يوم، فقال له سبحانه: بل لبثت مائة عام.
وإبراهيم عليه السلام رأى كيف يحيي الله الموتى، وعيسى عليه السلام كان يحيي الموتى بإذن الله، وكل هذه الوقائع يؤمن بها المسلم؛ لأنها ثابتة في كتاب الله، وليست خاضعة لميزان الإمكان البشري، وإنما لقدرة الخالق سبحانه.
ومن هنا، فإن استبعاد بقاء جسد نبي أو شهيد أو عبد صالح على حاله إذا شاء الله ذلك، ليس أمرًا يستقيم مع الإيمان بقدرة الله المطلقة، وقد وردت نصوص صحيحة تفيد أن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء.
ولذلك، فإن مناقشة مثل هذه المسائل ينبغي أن تكون بعلم وإنصاف، لا بالاستهزاء، ولا بادعاء التعارض بين الدين والعلم دون فهم لطبيعة كل منهما.
غير أن الواجب، في الوقت نفسه، هو التثبت من الأخبار، وعدم نسبة روايات إلى الدين دون دليل صحيح، فالدفاع عن العقيدة لا يكون بنشر القصص غير الموثقة، وإنما يكون بالتمسك بما ثبت في القرآن الكريم والسنة الصحيحة؛ لأن الحق لا يحتاج إلى المبالغة ولا إلى اختلاق الروايات.
وللأسف، فإن السنوات الأخيرة شهدت موجة متصاعدة من التشكيك في ثوابت الدين الإسلامي، فلم يعد الأمر يقتصر على مناقشة بعض الروايات التاريخية، بل امتد إلى التشكيك في وقائع قرآنية قطعية، فقد خرجت أصوات تزعم أن حادثة أصحاب الفيل الواردة في سورة الفيل ليست حقيقة تاريخية، وإنما مجرد قصة من وحي الخيال، وأن أبرهة لم يكن كما عرفه المسلمون عبر مصادرهم التاريخية.
وهذا الطرح لا يقف عند حدود الاجتهاد التاريخي، بل يصطدم بإيمان المسلمين بأن ما أخبر به القرآن الكريم حق، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
كما ظهرت محاولات للتشكيك في معجزة الإسراء والمعراج، أو تأويلها بما ينفي وقوعها على حقيقتها، رغم أن الإسراء ثابت بنص القرآن الكريم في قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى)، وأن تفاصيل المعراج ثابتة في الأحاديث الصحيحة التي تلقاها علماء الأمة بالقبول جيلًا بعد جيل.
وامتد الأمر كذلك إلى الطعن في الصحابة رضوان الله عليهم، وإثارة الشبهات حولهم، مع أن القرآن الكريم والسنة النبوية شهدا لهم بالفضل والسابقة، ونقل الدين إلينا إنما كان عن طريقهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل وصل إلى الاعتراض على الاستشهاد بآيات من القرآن الكريم في امتحانات اللغة العربية بحجة وجود طلاب مسيحيين، وهو اعتراض يفتقد إلى الأساس العلمي؛ لأن القرآن الكريم يمثل قمة البيان العربي، وأعظم نص لغوي عرفته العربية عبر تاريخها، ولذلك ظل حاضرًا في مناهج اللغة العربية لعشرات السنين، باعتباره النموذج الأعلى للفصاحة والبلاغة.
والأمر اللافت أن كثيرًا من المواطنين المسيحيين لم يروا في ذلك مشكلة؛ لأنهم يدركون أن دراسة النص القرآني في هذا السياق إنما هي دراسة لغوية وأدبية قبل كل شيء.
إن المشكلة الحقيقية ليست في اختلاف الآراء ولا في الحوار الفكري؛ لأن الإسلام لم يمنع النقاش، ولم يحجر على العقول، وإنما المشكلة حين يتحول التشكيك في الثوابت إلى وسيلة لجذب الانتباه، وصناعة الشهرة، وإثارة الجدل على حساب عقائد الناس ومقدساتهم.
فحرية الرأي لا تعني مصادرة حق المؤمنين في احترام مقدساتهم، كما أن البحث العلمي الحقيقي لا يقوم على الإثارة الإعلامية، وإنما على المنهج والدليل والإنصاف.
إن اليقين هو أعلى درجات الإيمان، واليقين لا يعني تعطيل العقل، بل يعني أن العقل يدرك حدوده، ويعلم أن قدرة الله سبحانه وتعالى لا تقاس بالمألوف، ولا تخضع لما وصل إليه الإنسان من معارف قابلة للتطور والتغير، فما يراه الناس مستحيلًا اليوم قد يصبح غدًا مفهومًا في ضوء اكتشاف جديد، أما قدرة الله فقد كانت وستظل فوق كل تصور.
ومن المؤسف أن هذه الطروحات تجد مساحة واسعة للانتشار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حتى بات بعض أصحابها يحصدون الشهرة كلما أثاروا شبهة جديدة أو شككوا في مسلمة من مسلمات الدين، وكان الأولى أن يقابل ذلك بخطاب علمي رصين يبين الحق بالحجة والدليل، ويحصن الشباب من الانسياق خلف كل قول يثير الضجيج.
إن الدفاع عن العقيدة لا يكون بالغضب وحده ولا بالشعارات، وإنما يكون بالعلم الصحيح، وبإحياء ثقافة القراءة، والرجوع إلى المصادر الموثوقة، وبإعداد أجيال تعرف دينها حق المعرفة، فتفرق بين الشبهة والحقيقة، وبين الاجتهاد المقبول والعبث المرفوض.
وأقول في الختام إن الإسلام دين يقوم على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وهو دين يدعو إلى الرحمة والعدل واحترام الإنسان والإيمان بجميع الأنبياء والرسل، لكن ذلك لا يعني القبول بتحويل ثوابته إلى مادة للعبث أو التشكيك أو السخرية.
إن من حق كل إنسان أن يناقش وأن يبحث وأن يسأل، ولكن ليس من حق أحد أن يقدم الظنون على اليقين، أو أن يجعل من الطعن في المقدسات طريقًا إلى الشهرة، فالأمم التي تحترم هويتها تحافظ على ثوابتها، وتواجه الشبهات بالعلم والوعي والحجة، لا بالصمت ولا بالتجاهل.





















