أثارت القضية التي كانت الدكتورة سهير عبد الحميد طرفًا فيها موجةً واسعة من التعاطف مع المحكوم عليه، وهو أمر مفهوم من الناحية الإنسانية؛ فالتعاطف مع الناس غريزة نبيلة، والوفاء لأصحاب الفضل خلق كريم، لكن اللافت أن هذا التعاطف تجاوز عند البعض حدوده، فتحول من التعاطف مع شخص إلى تجاهل حق الطرف الذي أنصفه القضاء، بل وصل أحيانًا إلى التشكيك في الحكم ذاته، وكأن مكانة الأشخاص أو تاريخهم يمكن أن تكون سببًا للانتقاص من أحكام القضاء.
ولست أكتب هنا دفاعًا عن شخص، وإنما دفاعًا عن مبدأ، فحق الدكتورة سهير عبد الحميد لم يمنحه لها أحد مجاملة أو منحة، وإنما قرره القضاء بعد أن استنفدت الدعوى جميع مراحلها القانونية، واستوفى كل طرف حقه في الدفاع. واحترام هذا الحق جزء لا يتجزأ من احترام القضاء نفسه.
وهذه القضية تعيد إلى الأذهان سؤالًا مهمًا: كيف يكون احترام القضاء؟ وهل يصح أن نقول: «نحترم القضاء… ولكن»؟
ما إن يصدر حكم قضائي في قضية تشغل الرأي العام، حتى تتردد هذه العبارة على الألسنة، بينما تحمل كلمة «لكن» في كثير من الأحيان نقيض ما قبلها؛ إذ يتحول ما بعدها إلى تشكيك في الحكم، أو استنكار له، أو تقليل من شأنه، أو إيحاء بأن المحكمة لم تُحسن تقدير الوقائع والأدلة، وهكذا تصبح عبارة «نحترم القضاء» مجرد مقدمة لفظية، بينما يكشف ما بعدها عن اعتراض على الحكم أكثر مما يعبر عن احترامه.
إن احترام القضاء لا يكون بالألفاظ، وإنما بالمواقف. ويبدأ من الإيمان بأن الفصل في الخصومات حق أصيل للقضاء وحده، وأن القاضي يحكم وفق ما يثبت أمامه من وقائع وأدلة، وبعد أن يحصل كل خصم على كامل حقه في الدفاع واتباع درجات التقاضي التي كفلها القانون.
ولهذا كان الحكم القضائي عنوان الحقيقة القضائية في النزاع الذي فصل فيه، وهذه الحقيقة لا تعني عصمة البشر، لكنها تعني أن الدولة لا تعرف في خصوماتها إلا ما انتهى إليه القضاء وفق الإجراءات التي رسمها القانون، وإلا تحولت الأحكام إلى آراء، وتحولت العدالة إلى أهواء.
ومن هنا يجب أن نفرق بين أمرين: الحكم على الفعل، والحكم على الإنسان.
فإدانة شخص في واقعة معينة لا تمحو تاريخه، ولا تنكر علمه، ولا تهدر إنجازاته، كما أن تاريخه أو مكانته لا يُسقطان الحكم الصادر عليه، فالعدل يقتضي أن يُنسب إليه خطؤه، كما تُحفظ له فضائله.
لكن هذا الإنصاف لا يجوز أن يتحول إلى مدخل للطعن في القضاء، فمن حقك أن تنصف الشخص، وليس من حقك أن تنتقص من الحكم، ومن حقك أن تذكر حسناته، وليس من حقك أن تجعل مكانته أو شهرته أو علمه أو منصبه سببًا للتشكيك في عدالة المحكمة أو نزاهة قضائها، فلا أحد تعلو مكانته على سيادة القانون، ولا أحد تمنحه الألقاب حصانة من العدالة.
ولعل هذا هو ما ينبغي أن نتوقف عنده في قضية الدكتورة سهير عبد الحميد، فمن حق الجميع أن يتعاطفوا مع المحكوم عليه، وأن يذكروا تاريخه، وأن يشيدوا بما قدمه من علم أو عمل، لكن ليس من حق أحد أن يتحول هذا التعاطف إلى ظلم للطرف الذي أنصفه القضاء، أو إلى تشكيك في حكم قضائي لأنه لم يوافق عاطفته.
إن الدكتورة سهير عبد الحميد لم تستمد حقها من حملة إعلامية، ولا من رأي عام، وإنما استمدته من حكم قضائي صدر بعد أن قال كل طرف كلمته وقدم أدلته، ومن ثم فإن احترام حقها ليس مجاملة لشخصها، وإنما احترام لحكم القضاء ذاته.
إن الدولة التي يعلو فيها القانون على الجميع هي الدولة التي يأمن فيها الجميع، فإذا خضع أصحاب المناصب والنفوذ للقانون، اطمأن المواطن البسيط إلى أن حقه لن يضيع، وازداد الناس يقينًا بأن العدالة لا تعرف تمييزًا بين قوي وضعيف، ولا بين مشهور ومغمور، وإنما تنحاز إلى الدليل وحده.
ولهذا فإن صدور الأحكام بحق أصحاب المناصب أو الشخصيات العامة ليس مدعاة للتشكيك في القضاء، بل هو دليل على استقلاله، ورسالة تؤكد أن سيادة القانون ليست شعارًا، وإنما مبدأ يُطبق على الجميع بلا استثناء.
إن الحفاظ على القضاء المصري، وصيانة استقلاله، والدفاع عن نزاهته، ليس دفاعًا عن القضاة وحدهم، بل هو دفاع عن الدولة ذاتها، فالقضاء هو صمام الأمان، والملاذ الأخير للمظلوم، والثقة في أحكامه هي الضمانة الحقيقية لاستقرار المجتمع وحماية الحقوق.
ولذلك، فإذا أردت أن تُنصف شخصًا صدر بحقه حكم قضائي، فاذكر فضائله، وأنصف تاريخه، وأشِد بما قدمه من خير، لكن لا تجعل ذلك مدخلًا للطعن في الحكم أو التقليل من شأنه، ولا تبدأ حديثك بعبارة: «نحترم القضاء… ولكن»؛ لأن «لكن» هنا لا تؤكد الاحترام، وإنما تفرغه من مضمونه.
قولوا: نحترم القضاء… ثم اتركوا الحكم في مكانه، وتحدثوا بعد ذلك عن الأشخاص كما شئتم، دون أن تمسوا هيبة العدالة، ودون أن تظلموا من أنصفه القضاء باسم التعاطف مع غيره.
وأخيرًا أقول: قد يختلف الناس في تقييم الأشخاص، وقد تتباين مواقفهم منهم، لكن لا يجوز أن يختلفوا على احترام القضاء، فالأشخاص يرحلون، أما الدولة فلا تبقى قوية إلا بقضاءٍ مستقل، وعدالةٍ لا سلطان عليها إلا القانون، وإذا أصبحت الأحكام تُحترم حين توافق أهواءنا، ويُشكك فيها حين تخالفها، فلن يبقى ميزان ثابت للعدالة، ولن يأمن أحد على حقه؛ لأن الضمانة الحقيقية لحقوق الجميع ليست الأشخاص، وإنما سيادة القانون وهيبة القضاء.





















