(ولأن عموم السكان غير مندمجين لا في الثروة ولا في السلطة، فهم دائماً ما يتم تصنيفهم كخطر بغضّ النظر عن حقيقة أفعالهم)على الرجال- تشكّل الاستثناء في مصر- المفكرة القانونية -٢٤-٦-٢٠٢٤
بصفتي معلماً خبيراً للغة العربية، فالاستثناء في اللغة العربية هو: إخراج المستثنى من حكم المستثنى منه باستخدام إحدى أدوات الاستثناء المعروفة (إلا، غير، سوى، عدا، خلا، حاشا).
أما بصفتي خبيراً في إعداد مشروعات القوانين، وعمل تعديلات عليها لبعض الأصدقاء من نواب المعارضة لسنوات طوال ، فإنني وبأمانة وطوال سنوات خبرتي الطويلة في إعداد تعديلات على مشروعات القوانين، لم ألاحظ طوال سنوات عملي مشروعاً مليئاً بالاستثناءات كمشروع (إعادة تنظيم مستقبل مصر للتنمية المستدامة).
وأستطيع القول : إن هذا المشروع -الذي قد يخرج قانوناً ونحن نقرأ هذا المقال- هو قانون استثنائي بلا منازع، على الرغم من خروجه من مجلس النواب ٬وليس في غيبته كطبيعة القوانين الاستثنائية!
فماذا يعني قانون استثنائي؟!
ينظم الدستور القانون الاستثنائي وفرض حالة الطوارئ بقانونها الاستثنائي بالمادتين (154-156)؛ فالأولى تنظم فرض حالة الطوارئ بقرار من قبل رئيس الجمهورية بعد استشارة رئيس مجلس الوزراء، وتوجب عرضه على البرلمان لإقراره أو رفضه، وتمنع حل المجلس أثناء فرض الحالة. بينما تنظم المادة (156) حالة إصدار قرارات بقوانين من رئيس الجمهورية حال غياب البرلمان ولظروف استثنائية.
وأما التعريف الفقهي الدستوري: فالقانون الاستثنائي يعرفه الفقيه الدستوري الكبير يحيى الجمل في بحثه لنيل درجة الدكتوراه بكتابه الأشهر (نظرية الضرورة في القانون الدستوري وبعض تطبيقاتها المعاصرة) فيقول: (ونستطيع أن نقول بصفة مبدئية : إن حالة الضرورة – في نطاق القانون الدستوري – توجد كلما وجدت الدولة في وضع لا تستطيع فيه أن تواجه أخطاراً معينة، سواء كان مصدرها داخلياً أو خارجياً، إلا بالتضحية بالاعتبارات الدستورية التي لا يمكن – أو يفترض أنه لا يمكن – تجاوزها في الأوضاع العادية)
بينما تحدد المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 28 لسنة 2 قضائية دستورية (جلسة 4 مايو 1985)- الدعوى كانت طعنًا على ما سُمي وقتها بقانون جيهان وهو قانون الأحوال الشخصية وصدر بمرسوم رئاسي وأنا مع كل ما جاء به وإن كنت اعترض على كونه استثنائيًا – عندما قالت الدستورية:
(إن الأصل في السلطة التشريعية هو ردها إلى البرلمان، والاستثناء هو خروجها عنه كأداة تشريعية يمارسها رئيس الجمهورية؛ ولا يجوز اللجوء إلى هذا الاستثناء إلا في ظل ضرورة ملجئة، وهي تلك الحالة الطارئة التي تبلغ في جسامتها حداً يهدد سلامة الوطن، أو نظام المجتمع، أو مصالحه الحيوية، بحيث لا تحتمل إبطاءً أو تأخيراً في مجابهتها، وتقدر بقدرها دون توسع)!
فهل مشروع مستقبل مصر استثنائي؟
وهل تمر مصر بظروف استثنائية؟
بداية أقصد بكلمة الاستثناء هو الاستثناء من القوانين السارية ومن أحكامها فعندما بدأت قراءة المشروع للمرة الأولى قبل أن أشرع في قراءته بتأنٍ لعمل بعض التعديلات، وجدت أن كمية الاستثناءات الواردة بالمشروع متعددة؛ وبشكل استثنائي ، وسأحاول هنا رصد بعضها:
1- تداخل المشروع – كما جاء بمقالي السابق – مع 112 مرجعاً تشريعياً، منها الدستور و98 قانوناً و12 قراراً جمهورياً وقراران لرئيس مجلس الوزراء؛ وهذا في حد ذاته استثناء في المراجع القانونية بمشروع قانون واحد، وربما كان ذلك لتداخل مشروع القانون مع هذا العدد الكبير من القوانين والقرارات!
2- أشارت المادة الثانية من مواد إصداره إلى اعتبار كل الأراضي التي آلت للجهاز قبل العمل بهذا القانون مناطق تنمية مستدامة تنطبق عليها أحكام القانون المرافق، وذلك استثناءً من المادة (26) من القانون المرافق ذاته، والتي تعطي لرئيس الجمهورية وحده حق إصدار قرارات إنشاء مناطق التنمية المستدامة وكانت قرارات التخصيص التي صدرت خلال العام 2024 فقط بلغت بموجب القرارات الجمهورية أرقام (114-285-338-339) ما يعادل 1.961.683 فداناً (حوالي 2 مليون فدان)، بخلاف المناطق التنموية الأخرى واتفاقات النقل بين الجهات لصالح الجهاز والتي تزيد عن ضعف ما خُصص بالقرارات.
وكل هذه الأراضي بموجب استثناء المادة الثانية من المادة (26) من القانون المرافق ستصبح مناطق تنمية مستدامة، تُعامل معاملة المناطق التي سيصدر بها قرارات جمهورية بعد العمل بالقانون.
3- المادة الرابعة من قانون الإصدار بعد تعديلات اللجنة أصبحت: (تؤول إلى الجهاز ملكية جميع المركبات اللازمة لمباشرة اختصاصاته أو تنمية موارده، والتي كان يقوم باستعمالها أو استغلالها أو الانتفاع بها من أية جهة عامة مالكة لها قبل العمل بأحكام هذا القانون…).
أ- وهذا نص يخالف أحكام القانون المدني؛ وبه استثناء من مواده –دون ذكر – فالمادة الرابعة تعفي المستعير/الجهاز من التزام (رد عارية الاستعمال) المقررة في المادتين (635) و(645) من القانون المدني، وتحول واقعة الحيازة المادية المؤقتة إلى سند ملكية دائم قسراً، وقد تكون الجهة اُلمُعيرة في أمس الحاجة لمعداتها، خاصة المحليات التي تعاني من عجز شديد.
ب- كما أن المادة الرابعة تخالف نص المادة (77) من قانون التعاقدات الحكومية رقم 182 لسنة 2018، ونص المادة (131) من لائحته التنفيذية، التي توجب رد المنقولات للجهة المُعيرة على أن تتحمل الجهة المستعيرة كل مصاريف التشغيل والصيانة والترخيص؛ ولكن مادة مشروعنا جعلت نقل الملكية نهائياً ودون نقض أو إبرام، ويقوم الجهاز فقط بإبلاغ الجهة التي عاونته بأنه تم نقل ملكية معداتها للجهاز خلال 3 أشهر من تاريخ العمل بهذا القانون.
4- المادة السادسة من قانون الإصدار صدّّرتها اللجنة بقولها: (استثناءً من أحكام القوانين واللوائح التي تنظم الشئون الوظيفية، يُجدد ندب أو إعارة العاملين بالجهاز الموجودين بالخدمة لدى الجهاز حتى تاريخ العمل بهذا القانون ندباً كلياً أو إعارة لمدة أربع سنوات، وتُعد مدة الندب أو الإعارة مدة خدمة متصلة بجهة عمله الأصلية).
لقد جاء الاستثناء شاملاً وعاماً من كل القوانين الخاصة بالوظائف.
5- المادة السابعة والخاصة بشهادة هيئة التنمية الصناعية الخاصة بالسلامة الإنشائية باعتبارها شهادات ترخيص منتج لجميع آثاره، ومنح عجز المادة كل المنشآت الصناعية غير المرخصة وكل ملحقاتها ترخيصاً لمدة 3 سنوات.
وهذه المادة تخالف، وتعد استثناءً من القانون 95 لسنة 2018 الخاص بهيئة التنمية الصناعية بعد أن سلب الهيئة كل اختصاصاتها.
6- المادة الثامنة تعد استثناءً صريحاً من مواد قانون التأمينات الاجتماعية 148 لسنة 2019 بمنح الجهاز تقسيطًا لمدة 4 سنوات وبدون فوائد على حصته التأمينية كصاحب عمل:
القاعدة العامة في قانون التأمينات: إن أموال التأمينات أموال خاصة ذات طبيعة عامة وهي ملك لأصحابها ولها قدسية، ويجب استثمارها لصالح أصحابها، ولا يجوز قانوناً إسقاط أو إعفاء أي جهة من المبالغ الإضافية (فوائد التأخير) عند جدولة أو تقسيط المديونيات.
والمادة (121) من قانون التأمينات تفرض فائدة تأخير شهرية مركبة تعادل (سعر الائتمان والخصم للبنك المركزي + 2%).
الاستثناء جعل المادة تمنح الجهاز إعفاءً كاملاً مطلقاً بنصها: (ودون تحميل الجهاز بأي فوائد خلال فترة التقسيط)؛ لقد فرّغ نص المادة الثامنة من مشروع قانون الإصدار المادة (121) من قانون التأمينات من مضمونها تماماً لصالح الجهاز.
(كانت المادة الأصلية التي ذهبت للجنة من الحكومة تلزم الخزانة العامة بسداد كل المستحقات التأمينية؛ ولكن اللجنة عدلتها بإلزام الجهاز بدفعها مع منحه مهلة 4 سنوات وإعفائه من أية غرامات تأخير!).
7- المادة التاسعة ألزمت الخزانة العامة بسداد كل مستحقات الضرائب بكل أنواعها وفوائد تأخيرها التي على الجهاز في استثناء كبير للغاية، فنصت على: (تتولى الخزانة العامة للدولة تدبير الاعتمادات المالية اللازمة لسداد الجهاز جميع مبالغ الضرائب والرسوم وغيرها من الفرائض المالية الأخرى، وما يرتبط بها من الضرائب الإضافية والغرامات ومقابل التأخير وغيرها، المستحقة عليه حتى تاريخ العمل بأحكام هذا القانون، وفقاً للتنظيم الذي يصدر به قرار من رئيس مجلس الوزراء).
وإن كانت المادة ألزمت الخزانة بسداد المستحقات حتى تاريخ العمل بالقانون، إلا أن الحكومة كانت قد قدمت مشروعها بتحميل الخزانة العامة لكل الأعباء الضريبية على الإطلاق بالمادة (71) من القانون المرافق، لكن اللجنة – جزيل الشكر لها – حذفت هذه المادة.
المادة العاشرة.. ملكة الاستثناءات:
8- أما المادة العاشرة فحملت قدراً من الاستثناءات ينوء به أي مشروع قانون، فقد ورد بمشروع الحكومة استثناء الجهاز من الخضوع لـ 8 قوانين، ولكن اللجنة حذفت استثناء الإدارات القانونية واقتصرت الاستثناءات بالمادة على (7)، ولكنها استحدثت مواداً جديدة بالمشروع المرافق وحملتها نفس الاستثناءات.
تقول المادة العاشرة ذات الاستثناءات السبعة من سبعة قوانين هي عصب المنظومة الاقتصادية في مصر:
(لا يسري على الجهاز قانون الهيئات العامة الصادر بالقانون رقم 61 لسنة 1963، وقانون إنشاء الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة الصادر بالقانون رقم 118 لسنة 1964، وقانون هيئات القطاع العام وشركاته الصادر بالقانون رقم 97 لسنة 1983، وقانون شركات قطاع الأعمال العام الصادر بالقانون رقم 203 لسنة 1991،
والقانون رقم 63 لسنة 2014 بشأن الحد الأقصى للدخول للعاملين بأجر لدى أجهزة الدولة، وقانون الخدمة المدنية الصادر بالقانون رقم 81 لسنة 2016، وقانون تنظيم التعاقدات التي تبرمها الجهات العامة الصادر بالقانون رقم 182 لسنة 2018).
فالمادة أعفت الجهاز من أحكام 7 قوانين دفعة واحدة.
سنكتفي هنا بالاستثناءات الواردة بالمشروع الخاصة بقانون الإصدار وهي ثلاث عشرة مادة بالإضافة لمادة الإصدار.
أما مواد مشروع القانون نفسه فلها مقال تالٍ – إن قُدّر لنا بقاءٌ ونشر بإذن الله-.




















