في كل مرة يُثار فيها الحديث عن زواج ذوي الهمم، أشعر أن القضية ليست مجرد رأي شخصي، بل مرآة تكشف كيف ينظر المجتمع إلى الإنسان، فالكلمات قد تمر على البعض مرورًا عاديًا، لكنها قد تترك جرحًا عميقًا في قلب شخص قضى عمره يحارب نظرات الشفقة أو الرفض، فقط لأنه مختلف.
من حق أي إنسان أن يختار شريك حياته، فهذا أمر لا يفرضه أحد، لكن ليس من حق أحد أن يحكم على إنسان كامل، أو يستبعده من دائرة الحب والزواج، لمجرد أنه من ذوي الهمم، فالاختيار الشخصي شيء، وربط الإعاقة بعدم الأهلية للحب أو الزواج شيء آخر تمامًا.
لقد كرّم الله الإنسان قبل أي شيء، فقال سبحانه: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾. لم يفرق بين صحيح ومريض، ولا بين قوي وضعيف، ولا بين شخص من ذوي الهمم وغيره، الكرامة حق منحها الله لكل إنسان.
كما قال رسول الله ﷺ: “إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.” فالقيمة الحقيقية للإنسان ليست في جسده، بل في أخلاقه وإيمانه ومسؤوليته.
كم من شخص من ذوي الهمم أصبح طبيبًا أو معلمًا أو إعلاميًا أو بطلًا رياضيًا، وأسّس بيتًا ناجحًا، وكان زوجًا أو زوجةً وأبًا أو أمًا بكل معنى الكلمة، وكم من إنسان لا يعاني أي إعاقة، لكنه فشل في تحمل أبسط مسؤوليات الحياة. لذلك، فالإعاقة ليست مقياسًا للنجاح أو الفشل في الزواج.
ولذوي الهمم حقوق كفلها الدين قبل أن تكفلها القوانين، ومنها الحق في الزواج وتكوين أسرة، والعيش بكرامة، وعدم التعرض للتمييز أو التقليل من شأنهم بسبب إعاقتهم، والزواج ليس منحة يمنحها المجتمع لهم، بل حق إنساني أصيل، يقوم على الرضا والمحبة والاحترام.
ربما لا يدرك البعض أن كلمة واحدة قد تجعل شابًا أو فتاة من ذوي الهمم يشعران بأنهما أقل استحقاقًا للحب، أو أن المجتمع يراهما عبئًا لا شريكًا للحياة، وهنا تكمن خطورة الكلمة، فهي قد تبني إنسانًا أو تهدم ثقته بنفسه.
فلنجعل اختلافنا في الآراء بابًا لنشر الرحمة، لا سببًا لترسيخ الأحكام المسبقة، ولنتذكر دائمًا أن الإنسان لا يُختصر في إعاقته، بل يُعرف بقلبه، وأخلاقه، وقدرته على العطاء.
ذوو الهمم لا يبحثون عن الشفقة، بل عن الاحترام، لا يطلبون امتيازات، بل يطالبون بحقوق منحهم الله إياها، وكفلها لهم الدين والقانون، والحب والزواج ليسا حكرًا على أحد، بل حق لكل إنسان يستحق أن يُرى بقلبه، لا بإعاقته.



















