أتابع مشروعات القوانين منذ أن كنت طالباً بالفرقة الأولى بكلية دار العلوم جامعة القاهرة سنة 1980، وكنت أحصل على مضابط مجلس الشعب من بعض أصدقائي من الصحفيين وقتها وأقرأ ما ينشر فيها من أدوات رقابية ومشروعات قوانين.
قرأت الاثنين الماضي 6 يوليو الجاري مشروع قانون الحكومة (إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة)، وما إن بدأت قراءته بشكل مبدئي حتى انتابتني صدمة سيطرت عليَّ لفترة طويلة ولم أستطع وقتها استكمال القراءة؛ فنحن أمام مشروع قانون لم أقابل مثله طوال حياتي لا شكلاً ولا مضموناً.
فمن حيث الشكل:
1- مشروع القانون الذي رأيته ممهورًا بتوقيع دكتور / بهاء الدين محمد الغنام مدير جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة (وقع فوق اسمه بتاريخ 1-7-2026 ودون ذكر رتبته العسكرية في لقطة لافتة؛ فالعسكريون يعتزون دوماً برتبهم ويذكرونها قبل أي ألقاب أخرى دكتور أو مهندس أو غيرها من الألقاب) وفوق الاسم والتوقيع جاءت عبارة (وإذ أتشرف بعرض هذا المشروع على مجلس الوزراء الموقر؛ أرجو في حالة الموافقة عليه التكرم بالتوجيه باتخاذ ما يلزم تمهيداً لاستكمال الإجراءات الدستورية المقررة بشأن إصداره).
وهذا يعني أن من قدم مشروع القانون لمجلس الوزراء مدير الجهاز، ولو افترضنا أن مشروع القانون تم إرساله لمجلس الوزراء في نفس يوم توقيعه من مدير الجهاز فيكون قد وصل للأمانة العامة لمجلس الوزراء بتاريخ 1-7-2026، فمتى يا ترى عرضته الأمانة العامة على رئيس مجلس الوزراء؟! وما الإجراء الذي اتخذه رئيس مجلس الوزراء بصدده؟! هل وافق على عرضه على أقرب اجتماع لمجلس الوزراء؛ ومتى؟! وهل أحاله للجنة التشريعية بمجلس الوزراء وهل أرسله لمجلس الدولة كما تنص المادة (190) من الدستور؟! وهل وافق مجلس الوزراء على المشروع وما رقم الجلسة وما تاريخها؟! ومتى أرسلت الأمانة العامة لمجلس الوزراء المشروع لمجلس النواب؟!
اجتماعات مجلس الوزراء:
دخلت على موقع مجلس الوزراء لمحاولة إيجاد قرار مشروع القانون بإحدى جلساته فراجعت جلسات المجلس من الجلسة رقم (80) بتاريخ 25-2-2026 وحتى الجلسة (99) بتاريخ 8-7-2026 وهي الجلسة التي كنت أتوقع مناقشة المشروع وإقراره بها، وعلى مدار جلسات مجلس الوزراء خلال هذه الفترة والتي بلغت (19) جلسة أصدر فيها المجلس (148) قراراً ليس من بينها مشروع القانون الخاص بمستقبل مصر!
سقط من ترقيم المحاضر على موقع المجلس الرقم (86) واعتقادي أن الترقيم به خطأ ولم يسقط أي محضر لأن ما بين رقمي 84 و85 خمسة أيام فقط!
فالسؤال المهم والدستوري هنا: هل تم إرسال مشروع مدير جهاز مستقبل مصر مباشرة من الأمانة العامة لمجلس النواب دون مراجعة ودون عرض على مجلس الوزراء ودون إرساله لمجلس الدولة؟!
دورة مشروعات القوانين بمجلس النواب:
مشروعات القوانين تقدم لمجلس الوزراء من الوزارات وبها مذكراتها الإيضاحية، ومنذ تقديم المشروع للأمانة العامة لمجلس الوزراء تقوم بإعداد مذكرة للعرض على رئيس مجلس الوزراء؛ الذي يقرر إحالته لأمانة الشؤون التشريعية بمجلس الوزراء لتشكيل لجنة لدراسته تضم كافة الجهات المتعلقة بمشروع القانون خاصة وزارتي العدل والمالية للدراسة وإعداد تقرير بالصياغة قبل النهائية، أو إذا لم تكن لديه استفسارات من الممكن أن يحيله لأول اجتماع لمجلس الوزراء.
وفي العادة إذا كان المشروع ضمن الأجندة التشريعية للحكومة، أو إذا كان يعالج أمراً تشريعياً طارئاً لا يتحمل الانتظار فيتم إحالته لاجتماع مجلس الوزراء لإقراره وإرساله لمجلس الدولة لفحصه وإبداء ملاحظاته عليه بغض النظر إن كان مجلس الوزراء سيأخذ بها أم لا.
وبعد الصياغة النهائية ترسل الأمانة العامة لمجلس الوزراء مشروع القانون لمجلس النواب بمرفقاته كاملة.
فهل كل هذه الإجراءات تمت منذ أن أرسل مدير الجهاز دكتور بهاء الدين محمد الغنام بتاريخ 1-7-2026 وتمت كل الإجراءات الدستورية وتم إحالة المشروع من مجلس الوزراء لمجلس النواب الذي شكل له لجنة فدرسته، وفي جلسة وحيدة أقرته بعد تعديلات بالصياغة لا تمس جوهر المشروع؟! ليرسل المشروع للجلسة العامة لتناقشه في الغالب يوم الثلاثاء وقد يكون آخر يوم بدور الانعقاد الأول للفصل التشريعي الثالث؟! ما وجه العجلة؟!
2- ديباجة مشروع القانون وهي المقدمة التي تلي عنوان مشروع القانون مباشرة، وتُعد حجر الزاوية القانوني والسند التشريعي لإصداره، وتتضمن القوانين والقرارات السابقة التي يُبنى عليها مشروع القانون وتتصل بأحكامه؛ وقد جاء مشروع القانون بديباجة اشتملت على 112 مرجعاً تشريعياً؛ منها 99 قانوناً، و12 قراراً لرئيس الجمهورية، وقرارين لرئيس مجلس الوزراء؛ بما يعادل خُمس التشريعات المصرية السارية التي وصل عددها لـ 618 قانوناً حسب قاعدة التشريعات المصرية لوزارة العدل، وعلى حد علمي فهذا العدد من القوانين والقرارات التي وردت في مقدمة المشروع بديباجته والتي يتفاعل معها ويأخذ من اختصاصاتها، أو قل يعطل اختصاصاتها لم يسبند له مثيل لم ترد في أي مشروع سابق!
أشارت الديباجة أيضاً إلى أنه تم أخذ رأي (5) جهات وهي (مجلس الدفاع الوطني ـ البنك المركزي – الهيئة العامة للرقابة المالية – الجهاز المركزي للمحاسبات – مجلس إدارة الصناعات الوطنية)؛ ولا أعرف متى تم إرسال مشروع القانون إليها خاصة وأنه يرسل من مجلس الوزراء بعد فترة من وصوله من مصدره بالوزارات المختصة؛ فكيف حصل هذا في غضون أسبوع ليعود من هذه الجهات ليعرض على مجلس الوزراء فيعيد صياغته – إن أراد – ويرسله لمجلس النواب فيعرضه على لجانه النوعية فتناقشه في نفس اليوم وتوافق عليه بعد تعديلات طفيفة بالصياغة.
وعلى الرغم من ضخامة المشروع والذي يحتوي بجانب الديباجة على 14 مادة إصدار و81 مادة بالقانون المرافق إلا أنه تم عرضه على لجنة مشتركة بمجلس النواب من اللجنة التشريعية – وباشتراك 17 لجنة نوعية – ناقشته وأقرته بتعديلات بسيطة للغاية بجلسة واحدة (تصور مشروع قانون يؤمم كل شيء في مصر من الأراضي للتجارة للزراعة للصناعة للاستيراد للتصدير يتم مناقشته وإقراره بجلسة واحدة غير كافية لمجرد قراءته قراءة واعية فضلاً عن دراسة علاقاته بالـ 112 قانوناً وقراراً ارتبط ارتباطاً وثيقاً بها مما يستوجب الرجوع لكل هذه القوانين لمعرفة تعارض أو تضارب أو نزع اختصاصات كل هذه القوانين)!!!
كانت هذه بعض الملاحظات الشكلية؛ والتي أرجو أن تتأنى الحكومة وأن يمارس مجلس النواب دوره الحقيقي ويؤجل مناقشة المشروع لدور الانعقاد الثاني والذي سيبدأ في شهر أكتوبر حتى يستطيع المجلس دراسة مشروع القانون قبل إقراره؛ وفي المقال القادم ـ إن كان هناك ما هو قادم – سأتناول مواد المشروع والتي أراها تؤمم كل شيء في مصر من زراعة لتجارة لتصنيع لتموين.. الخ.





















