إبراهيم عرفات يكتب: الحالة هذه المرة حساسة ومعقدة. تتعلق بالباحثين الأجانب والمستشرقين الجدد الذين يفدون إلى بلادنا ليعيشوا بيننا فيتفحصوننا عن كثب ويكتبون عنا من قرب ويدرّسون أبناءنا وكأنهم منا وكأننا منهم. والحديث بشأنهم يختلط فيه الخوف بالأمل وتمتزج فيه الريبة بالثقة.
فمنهم من يحترمنا ويفهمنا ويقدرنا ويفيدنا ويتعاطف معنا. ومنهم من يلدغنا ويؤذينا ويضرنا ويجهلنا ويستعلي علينا.
ولتكن البداية مع دخولهم علينا وطرق وصولهم إلينا. فهم يأتون ليعيشوا بيننا تماماً كما نذهب نحن لنعيش بينهم. ولا غرابة في ذلك بالمرة بل إن هذا هو الطبيعي.
فالانتقال الإنساني قديم قدم البشرية والتواصل المعرفي عمره آلاف السنين.
ومثلما أن أحداً منا لا يقبل بأن يحجر عليه أحد أو أن يصادر حقه في الحل والترحال أو يمنعه من اشباع شغفه في دراسة حياة الآخرين بكل تفاصيلها، فلا يحق لنا أن نمنع غيرنا أو نحول بين من يرغب في أن يأتي إلى بلادنا ليدرسنا ويعرفنا ويبحث ويكتب عن أحوالنا. لكن بعيداً عن ذلك المبدأ الذي لا غبار عليه والذي على أساسه يأتينا الباحثون الأجانب، هناك تاريخ معقد للغاية لا يمكن تجاهله أو النأي عنه.
فكثير من القادمين إلينا من وراء البحار باسم الأكاديميا سبقتهم تجارب أوروبية بغيضة معنا عندما كان جدودهم يأتون كجزء أصيل من مشروع استعماري بعث آلاف الباحثين ليوظفوا معارفهم العلمية من أجل قهر وإذلال وتشويه ومسخ شعوب المنطقة. وبرغم ما قيل عن نهاية الاستعمار، علينا ألا ننسى أن توافد هؤلاء لم ينته وإنما تواصل تحت راية جديدة اسمها العولمة.
بل هم اليوم من أكبر المستفيدين منها حيث راحوا يأتون إلينا بأعداد أكبر بدعوى أن الأرض باتت مسطحة ليسيطروا ويوجهوا العملية التعليمية في بلادنا وبلاد أخرى شبيهة ببلادنا بحجة أنهم الأبرع والأمهر والأشطر وأنهم المعلمين ونحن المتعلمين.
ثم فجأة سمعناهم يقولون لنا عذراً نحن مضطرين لبناء الأسوار. بل إنهم قالوها حتى بدون اعتذار. فبعد سنوات من تصاعد التيارات اليمينية المحافظة في بلادهم، خرجت خطابات سياسية وفكرية وأكاديمية من نفس الجهات التي سبق أن بشرت بالعولمة والانفتاح المعرفي لتقول لنا: تضررنا منكم. لا نريدكم مهاجرين تأتون إلينا ولا طلاباً تدرسون لدينا أو أساتذة تعملون بجامعاتنا.
إنكم لن تساعدونا في جعل بلادنا عظيمة من جديد. مقابل ذلك تجدهم لا ينطقون بكلمة عن جحافل معلميهم وباحثيهم التي انطلقت بطول العالم وعرضه تجمع لهم البيانات وتدرس لهم النفسيات. وهو أمر شديد العجب. هم يبررون لأنفسهم رفع الأسوار ليحموا أنفسهم، بينما يطلبون منا أن نقابلهم بالأحضان والابتسام.
والموضوع بلا شك معقد شأنه في ذلك شأن كثير من الموضوعات في هذا الزمن الدولي المضطرب. ولكيلا يقع المرء في خطيئة التعميم، ومن أجل العدالة المعرفية ينبغي الا يخلط الواحد منا العاطل بالباطل والصالح بالطالح. فالصالح منهم كثير نحتاج إليه، وعلينا أن نرحب به ونستفيد منه طالما أن لديه ما يفيد. والصالح منهم بالمناسبة ليس بالضرورة من يتقن لغتنا ويتسمى بأسمائنا ويحاكي عاداتنا. فالتاريخ يؤكد أن بعض من فعلوا ذلك كانوا الأكثر شراً. فلا يمكن أن نساوي مثلاً بين المستشرق الألماني “كارل بروكلمان” من جهة، والذي قدم الكثير في تحقيق الأدب العربي ولم يوظف معرفته العميقة بنا في خدمة أهداف استعمارية، والانجليزي “ريتشارد فرانسيس بيرتون” من جهة ثانية، والذي ما يزال أحفاده في الغرب يتوافدون ويثيرون الريبة حولهم وحول ما يقومون به.
“بيرتون” هذا كان مستكشفاً ومستشرقاً وباحثاً وجندياً واستخباراتياً من أصول انجليزية.
عاش نحو سبعين سنة ما بين 1821 و1890، قضى خمسين سنةً منها خارج بلاده، بدأها في خدمة الاحتلال البريطاني للهند. ولأنه باحث أنثروبولوجي وجندي فقد تكلف بتسخير البحث من أجل خدمة السياسة.
ولهذا اختار في الهند أن يتحول إلى درويش يعيش وسط فقراء المسلمين يدرسهم ويعرف بالتفصيل عاداتهم وطباعهم. وتنقل بعض الروايات أنه تقمص بعد ذلك شخصية طبيب باحثاً عن مهنة تحظى باحترام يمكنه من الاقتراب من طبقات اجتماعية أعلى من الدراويش.
وبعد بضع سنوات قضاها في الهند انتقل إلى الجزيرة العربية وانخرط في الحياة مع البدو. وبفضل لغته العربية اندمج في ثنايا المجتمع البدوي.
ومثلما حركته دوافعه الاستخباراتية لخدمة الجيش البريطاني دفعته أطماعه المالية لخدمة أصحاب الثروات، فاتجه إلى شمال غرب الجزيرة العربية باحثاً عن الذهب والفضة.
فلما لم يجدهما قام بتهريب آلاف القطع الأثرية التي جمعها من ثمانية عشر موقعاً نقلها تباعاً إلى لندن. أما دوره المعرفي في خدمة الاستعمار فتضمن رسم ملامح شاملة للطرق والدروب والقبائل في الجزيرة العربية.
وهو ما غلفه من أجل نيل ثقة من حوله إلى القيام برحلة حج تحت اسمه الجديد “عبد الله ميرزا” ليكون ثاني أوروبي بعد الإيطالي “لودفيجو فارتيما” الذي يقوم بتلك الرحلة.
ومن قلب الجزيرة العربية ترجم عديداً من الكتب إلى الإنجليزية من بينها ألف ليلة وليلة.
كما تم تكليفه من الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية باستكشاف الجزيرة العربية وجمع كل المعلومات التي تهم القوات البريطانية عنها.
وهو ما نجحت رحلة الحج التي قام بها في تحقيقه. ولم يخجل “بيرتون” في كتابه “السرد الشخصي لرحلة حج إلى المدينة ومكة” من أن يشير إلى أنه قام بتلك الرحلة مدفوعاً بحبه للمعرفة ومحمولاً بالتزامه كجندي وعميل سري لبلاده.
وبسبب الجدل الواسع الذي ثار حتى بين القوى الأوروبية حول شخصيته، اضطرت زوجته “ايزابيل بيرتون بعدما عجزت عن تحمل سهام النقد التي وجهت إلى زوجها إلى حرق كل ما في حوزتها من مؤلفات قضى أربعين سنة في انتاجها.
لقد رحل “بيرتون” ورحل مثله كثيرون ممن عاشوا بيننا وبحثونا وقلبونا بكل الطرق من التواجد في الصحاري والطرقات إلى بناء الكباري والجامعات ليس ليعرفونا من أجل المعرفة وإنما ليوظفوا معرفتهم في توفير وسائل متنوعة للخارج يسيطر بها على عقولنا وإراداتنا. رحل “بيرتون” و”أوجست مولييرا”، و”لورانس”، و”تشارلز هوبر”، و”سنوك هرخرونيه” وغيرهم، لكن بقي أولادهم وأحفادهم وأحفاد أحفادهم يأتون إلينا متسلحين بمركزيتهم الغربية واستعلائهم الحضاري، والذي لم يعد يطاق.
فبلدانهم لم تعتذر حتى اليوم عن استعمارها القديم، ويكفي أن فلسطين تذكرنا كل يوم به، بل وراحت تعمق صوراً عنقودية مركبة من الاستعمار الجديد.
كما راحت ترفع حول نفسها الأسوار لتقي نفسها هجرات “وإرهاب” وثقافة الشرق بينما تطالبنا تحت دعاوى مختلفة بفتح حدودنا لحضارة وثقافة وفكر ومنتجات الغرب.
أنا لم أراهن يوماً في حياتي على أن الخير سينتصر. لكني على ثقة في أن كل فطن عليه أن يقف بكل ما يستطيع في وجه الشر.
اقرأ أيضا: عز الدين الهواري يكتب: إيباك الحكومة الخفية التي تقود العالم نحو الفوضى




















