عز الدين الهواري يكتب: إيباك الحكومة الخفية التي تقود العالم نحو الفوضى .. مقال توماس فريدمان في نيويورك تايمز يصف بدقة مأساة التحالف بين ترامب ونتنياهو، وكيف أن رمزين كان يُفترض أن يجسدا الديمقراطية تحولا إلى رأس حربة في مشروع عالمي لتقويض حكم القانون وتمزيق القيم الليبرالية. لكن، رغم أهمية ما طرحه فريدمان، هناك عنصرٌ غائب لا يمكن تجاهله: الذراع الأخطر الذي يحرك هذه الأجندات، وهي منظمة إيباك (AIPAC) وتحالف رجال الأعمال اليهود الصهاينة.
فما نشهده اليوم ليس مجرد انحراف فردي، بل هو مشروع استراتيجي تديره إيباك منذ عقود، ويتجاوز شخصيّتي ترامب ونتنياهو، ليمتد إلى بنية عميقة تسيطر على المؤسسات التشريعية، وتعيد هندسة الأنظمة السياسية من الداخل لصالح أجندة صهيونية متطرفة.
كما أن ارتباط إيباك منذ أن بدأت بأجهزة المخابرات CIA والموساد، وحتى أجهزة مخابرات دولية، يجعل منها سلطة عابرة للحكومات. إيباك تُسخّر هذه الأجهزة تحت سطوتها، وتستخدمها لتجنيد الحُكّام العرب والمسلمين لخدمة المشروع الصهيوني للسيطرة على العالم، وليس إسرائيل إلا جزءًا من هذا المشروع، مخصص للمنطقة العربية باعتبارها عصا إيباك وليس عصا أمريكا، التي تُضرب بها وتُؤدَّب بها كل من يخرج عن الطريق. وحتى الاغتيالات التي تتم — فهي في كثير من الأحيان تُدار من خلال جهاز مخابرات إيباك نفسه، لا من خلال سي آي إيه أو الموساد فقط.
هذه الشبكة ليست فقط تضغط على واشنطن، بل تمارس هندسة عميقة لهياكل الدولة في إسرائيل، وأيضًا في الأنظمة العربية التي صارت أداة تنفيذية لتوصيات إيباك. ولذلك، فإن الحديث عن ترامب أو نتنياهو بمعزل عن هذا الجهاز العنكبوتي هو تجاهل للأصل وتحليل للظل.
اقرأ أيضا: نانسي عوني تكتب: معاً سنبدأ صفحه جديدة.. خطوة لبناء الثقة وتعزيز تنمية الاقتصاد المصري
ولا يقتصر نفوذ إيباك على توجيه السياسات، بل يمتد إلى توزيع الدعم المالي السخي لكل عضو في مجلس الشيوخ أو الكونغرس الأمريكي، دعمٌ لا يُقدَّم إلا مصحوبًا بعبارة واحدة: “من أجل دعم التشريع من أجل إسرائيل”. لكن الحقيقة أن المقصود هو تشريع الاختراق الممنهج لكل القوانين الدولية والأممية. إيباك تسعى لفرض إرادتها على العالم لا عبر الدبلوماسية، بل من خلال اختراق التشريعات ذاتها، وتحويل القانون إلى أداة طيّعة بيد المشروع الصهيوني.
ومن يخرج من تحت يد إيباك يكون مصيره المقصلة، فلا أحد نجا منها: لا علماء، ولا شخصيات عامة، ولا حتى الطلاب. إيباك لا تعرف المنطقة الرمادية، فإما أن تكون مع المشروع الصهيوني، أو تكون في الطرف الآخر: “العدو”، وتُعلن الحرب عليك بلا هوادة.
وما يزيد الأمر خطورة أن إيباك تملك ميزانية تفوق أمريكا نفسها، وتُهيمن على أغلب وسائل الإعلام المؤثرة في العالم، حتى وإن كانت مملوكة من دول، لأنها تُملي الخط التحريري وتُعيد توجيه الرأي العام كما تشاء. لقد وصلت سيطرة إيباك إلى رجال الدين أنفسهم — من المسيحيين والمسلمين، وحتى الكهانة اليهود المتطرفين — فجعلتهم جزءًا من آلة التبرير، بدلًا من أن يكونوا ضميرًا يقظًا يُذكّر بالعدالة
الحزب الجمهوري والليكود لم يعودا مجرد حزبين سياسيين، بل منصّات دعائية لإيباك. يُعاد إنتاج قياداتهما وفق معيار الولاء للمشروع الصهيوني النيوليبرالي لا وفق مصلحة أو قيم وطنية. وما نشهده من تقويض للقضاء، وشيطنة للمعارضة، وتحالف مع اليمين الديني المتطرف، ما هو إلا تطبيق مباشر لتوجيهات هذه المؤسسة.
ولذلك، فبينما يُحمّل فريدمان ترامب ونتنياهو مسؤولية “عالم ما بعد أمريكا” و”ما بعد إسرائيل”، فإن المشكلة الأعمق هي “عالم ما بعد الحقيقة”، و”عالم ما بعد السيادة”، الذي تديره إيباك، حيث تُحكم الدول عبر المال، ويُعاد تعريف الوطنية لتصبح طاعة للهيمنة الصهيونية، ويُستخدم شعار معاداة السامية كعصا قمع تُسكت بها كل مقاومة.
إن لم يتم تفكيك بنية إيباك ومحاكمتها كمنظمة فوق-دولية تُهدد السلام العالمي والديمقراطيات الناشئة، فإن كل مقاومة لترامب أو نتنياهو ستظل معركة ضد أدوات وليس ضد المشروع نفسه. العالم لا ينهار بفعل طغاة فقط، بل بفعل المؤسسات التي تحميهم وتدعمهم وتُبرر لهم. وإيباك، دون مبالغة، باتت المؤسسة الأخطر على مستقبل الإنسانية، من خلال هندستها لعالم لا مكان فيه لضعيف، ولا حرية فيه لمن لا يركع.
اقرأ أيضًا: جميلة إسماعيل: انطلاق أمانة شباب الحركة المدنية حلم تحقق اليوم




















