لم يكن الهجوم الذي استهدف السفينة الأمريكية في ميناء دمياط منذ مجرد حادث أمني عابر، ولا ينبغي أن يُقرأ باعتباره واقعة معزولة يمكن قياسها بعدد المصابين أو حجم الخسائر. ففي عالم السياسة، لا تُقاس الأحداث بما تُحدثه من دمار مادي فقط، بل بما تبعثه من رسائل، وبما تفرضه من تغييرات في حسابات الدول.
ولعل السؤال الذي شغل كثيرين هو: من فعل ذلك؟ لكنه ليس السؤال الوحيد، وربما ليس السؤال الأهم. فقبل معرفة الفاعل، من المفيد أن نفهم لماذا اختير هذا الهدف بالذات، ولماذا وقع الهجوم في هذا التوقيت ومن المستفيد.
لقد اعتدنا خلال العقود الماضية أن تكون الحروب مرتبطة بالجبهات العسكرية، والقواعد الجوية، والأساطيل البحرية.
أما اليوم، فقد تغيرت طبيعة الصراع.
أصبحت المواني، وخطوط الملاحة، ومنشآت الطاقة، وكابلات الاتصالات البحرية، أهدافًا لا تقل أهمية عن القواعد العسكرية.
فالعالم لم يعد يعيش فقط على توازن القوة، بل على توازن الاقتصاد، والطاقة، وسلاسل الإمداد.
ومن هذا المنطلق، فإن ميناء دمياط لم يكن هدفًا لأنه ميناء مصري من وجهة نظري، بل لأنه يمثل نقطة اتصال بين التجارة والطاقة والبحر المتوسط.
وإذا كانت السفينة المستهدفة أمريكية، فإن الرسالة تبدو موجهة إلى ما تمثله أكثر مما هي موجهة إلى المكان الذي ترسو فيه.
هذا الفارق بالغ الأهمية.
فالهدف – في تقديري – لم يكن إدخال مصر إلى الحرب، بل إدخال البحر المتوسط إلى معادلات الحرب.
إنها رسالة تقول إن الصراع لم يعد محصورًا في الخليج أو البحر الأحمر، وإن خطوط الطاقة العالمية كلها يمكن أن تصبح جزءًا من مسرح العمليات. إنها محاولة لتوسيع مساحة القلق أكثر من توسيع مساحة النار.
ومن هنا، فإن المستفيد الحقيقي ليس بالضرورة من نفذ العملية، بل من ينجح في تغيير إدراك العالم لمفهوم الأمن.
فإذا أصبحت شركات الشحن، وأسواق التأمين، ومستثمرو الطاقة يعتقدون أن شرق المتوسط لم يعد منطقة آمنة، فإن الهدف السياسي للهجوم يكون قد تحقق حتى لو كانت الأضرار المادية محدودة.
ولهذا فإن رد الفعل المصري يستحق التأمل والتقدير.
فالدولة لم تنجر إلى اتهامات متسرعة، ولم تتعامل مع الحادث بانفعال، بل ركزت على ثلاثة أمور: التحقيق، وتأمين المنشآت، واستمرار العمل في الميناء. وهي رسالة لا تقل أهمية عن الهجوم نفسه، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه الوقائع هو أن يتحول الخوف إلى واقع اقتصادي.
أما الولايات المتحدة، فمن الطبيعي أن تنظر إلى الحادث باعتباره جزءًا من معادلة الردع المتبادل في الإقليم، بينما ستسعى الأطراف الأخرى إلى توظيف الغموض الذي يحيط بالعملية، لأن الغموض أصبح في الحروب الحديثة أداة سياسية بقدر ما هو وسيلة استخباراتية.
لقد دخل العالم بالفعل عصرًا جديدًا من الصراعات، لم تعد فيه الطائرات المسيّرة تستهدف الجيوش فقط، بل تستهدف الثقة. والثقة هي العمود الفقري للاقتصاد العالمي. فإذا اهتزت الثقة في أمن الموانئ، أو في استقرار طرق التجارة، فإن التأثير يمتد إلى أسعار الطاقة، وتكاليف التأمين، وحركة الاستثمار، حتى لو لم تتجاوز الخسائر الميدانية بضع ساعات من التعطل.
وهنا يكمن الدرس الأهم.
إن حماية الأمن القومي لأي دولة لم يعد بقتصر على حماية الحدود، بل أصبح يشمل حماية صورة الدولة بوصفها مساحة مستقرة وآمنة للاستثمار والتجارة. وفي هذا السياق، فإن استمرار عمل ميناء دمياط، وعدم توقف حركة الملاحة، لم يكن مجرد نجاح أمني، بل كان نجاحًا سياسيًا واقتصاديًا أيضًا، لأنه أفشل جزءًا مهمًا من الرسالة التي أراد منفذو الهجوم إيصالها.
إننا نعيش زمنًا أصبحت فيه الرسائل أخطر من الرصاص، وأصبح تأثير الطائرة المسيّرة يُقاس أحيانًا بما تزرعه من شك في الأسواق أكثر مما تحدثه من ضرر على الأرض. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام الدول لم يعد فقط في إسقاط الطائرات، بل في منع الخصوم من إسقاط الثقة.
“في السياسة، لا يكون أخطر السلاح هو الذي يصيب الهدف، بل الذي يغيّر طريقة تفكير العالم في معنى الأمن.”





















