عندما أعلن الدكتور مصطفى مدبولي أن الدولة تتجه إلى استخدام “آلية مبتكرة” لتمويل مشروعات البنية التحتية عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، بدا الأمر وكأن الحكومة توصلت إلى اختراع اقتصادي جديد يفتح أبواب التنمية ويحل معضلة التمويل، لكن الحقيقة مختلفة تمامًا، فالشراكة بين القطاعين العام والخاص ليست ابتكارًا مصريًا، ولا اكتشافًا اقتصاديًا جديدًا، ولا حتى سياسة تتبناها الدولة للمرة الأولى. إنها واحدة من أقدم أدوات تمويل وإدارة البنية التحتية في العالم الحديث، استخدمتها عشرات الدول منذ عقود، وطبقتها مصر نفسها منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، بل وأصدرت لها تشريعًا خاصًا القانون رقم 67 لسنة 2010.
لذلك فإن القضية ليست الإعلان عن العودة إلى PPP، وإنما محاولة تسويقها للرأي العام باعتبارها “آلية مبتكرة”، بينما التحدي الحقيقي يكمن في سؤال أكثر أهمية: لماذا لم تحقق التجارب السابقة النتائج المأمولة؟
لا جديد تحت الشمس، فالشراكة بين القطاعين العام والخاص ليست سوى عقد طويل الأجل تتقاسم فيه الحكومة والقطاع الخاص مسؤوليات تصميم مشروع للبنية التحتية أو تمويله أو بنائه أو تشغيله أو صيانته، مع توزيع المخاطر والعوائد بين الطرفين، وتبدأ العملية بتحديد الحكومة للمشروع، ثم طرحه للمنافسة، ليتولى المستثمر الفائز التمويل والتنفيذ والتشغيل لسنوات قد تصل إلى ثلاثين عامًا، قبل أن تعود الملكية إلى الدولة إذا نص العقد على ذلك، وتتنوع النماذج بين BOTـBOOT ـDBFO وعقود الامتياز، وكلها أدوات مستقرة في أدبيات الاقتصاد وإدارة البنية التحتية، وليست أفكارًا خرجت من مطبخ السياسات الحكومية في عام 2026.
العالم سبقنا… عرفت أوروبا عقود الامتياز منذ القرن التاسع عشر، بينما شهدت ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي الانطلاقة الحديثة لنظامPPP ، خاصة في بريطانيا، قبل أن ينتشر في معظم الاقتصادات المتقدمة والناشئة، لكن اللافت أن الدول التي نجحت في استخدامه لم تعتبره بديلًا للدولة، ولا وسيلة لإخفاء أعباء المالية العامة، ولا وصفة سحرية لحل مشكلات الاستثمار، بل اعتبرته مجرد أداة، قد تنجح في مشروع وتفشل في آخر، في الدول الإسكندنافية، التي كثيرًا ما تُستشهد بها كنموذج للكفاءة، لم تتحول PPP إلى عقيدة اقتصادية، ولم تُستخدم على نطاق واسع كما يُتصور. بل بقيت الدولة المستثمر الرئيسي في البنية الأساسية، بينما اقتصر استخدام الشراكة على المشروعات التي أثبتت الدراسات أنها تحقق “قيمة مقابل المال” أعلى من التنفيذ الحكومي المباشر، هناك لا تُطرح المشروعات لأن القطاع الخاص موجود، وإنما لأن التحليل الاقتصادي أثبت أن وجوده سيحقق منفعة عامة أكبر، الفارق إذن ليس في وجود الآلية، وإنما في وجود مؤسسات قوية تستطيع أن تقول “لا” عندما تكون الشراكة غير مجدية.
التجربة المصرية.. ذاكرة قصيرة أم تجاهل متعمد؟
المفارقة أن الحكومة المصرية نفسها ليست غريبة عن هذا النظام، فمنذ عام 2010 تقريبًا بدأت مصر تطبيق منظومة الشراكة بصورة مؤسسية، وأُنشئت وحدة مركزية بوزارة المالية، وصدر قانون ينظمها، وطُرحت مشروعات في قطاعات المياه والصرف الصحي والنقل والخدمات العامة، إذن، ما الذي يجعل الحديث اليوم يبدو وكأن الدولة تبدأ من الصفر؟ هل المطلوب أن ننسى التجارب السابقة حتى يبدو كل إعلان حكومي وكأنه نقطة انطلاق جديدة؟ المشكلة ليست في PPP بل في طريقة إدارتها، لو كانت الشراكة وحدها كافية لتحقيق النجاح، لما تعثرت عشرات المشروعات حول العالم، المشكلة دائمًا في التفاصيل.
في التجربة المصرية، طال أمد إجراءات الطرح، وتعقدت الإجراءات الإدارية، وتأخر الإغلاق المالي لكثير من المشروعات، وتغيرت الظروف الاقتصادية قبل التنفيذ، فارتفعت تكلفة التمويل بصورة كبيرة، وفي حالات أخرى لم يُوزع الخطر كما ينبغي، بل تحملت الدولة الجزء الأكبر من المخاطر بينما احتفظ المستثمر بعوائد شبه مضمونة، وهو ما يتناقض مع الفلسفة الأساسية للشراكة، كما أن غياب الشفافية بشأن العقود، وضعف نشر البيانات المتعلقة بالأداء، وعدم وجود تقييم دوري مستقل للمشروعات، كلها عوامل جعلت من الصعب معرفة ما إذا كانت هذه الشراكات قد حققت بالفعل قيمة أفضل من الإنفاق الحكومي التقليدي.
أحد أكثر المفاهيم تضليلًا في النقاش العام هو الإيحاء بأن PPP توفر تمويلًا دون تكلفة، هذا غير صحيح، فالقطاع الخاص لا يقرض الدولة بدافع العمل الخيري، بل يسعى إلى تحقيق عائد يتناسب مع حجم المخاطر، وغالبًا ما تكون تكلفة التمويل التجاري أعلى من تكلفة الاقتراض السيادي، لذلك فإن نجاح الشراكة لا يُقاس بحجم الأموال التي يجلبها المستثمر، وإنما بما إذا كانت الخدمة أصبحت أفضل، والمشروع أُنجز أسرع، والتكلفة الكلية طوال عمر المشروع أصبحت أقل، إذا لم يتحقق ذلك، فإن الدولة تكون قد دفعت أكثر مقابل خدمة لا تختلف كثيرًا عما كان يمكن إنجازه بالطريقة التقليدية.ما الذي يجب أن يتغير؟إذا كانت الحكومة جادة في التوسع في PPP، فإن المطلوب ليس إطلاق أوصاف براقة من قبيل “الآلية المبتكرة”، وإنما مراجعة صريحة للتجربة السابقة، نحتاج إلى شفافية كاملة في العقود، ودراسات جدوى مستقلة، وتوزيع عادل للمخاطر، ومنافسة حقيقية بين المستثمرين، ورقابة برلمانية ومجتمعية على الالتزامات المالية طويلة الأجل التي تتحملها الدولة، والأهم من ذلك، أن تتوقف الحكومة عن التعامل مع كل سياسة قديمة باعتبارها اكتشافًا جديدًا، ليست المشكلة في تصريحات رئيس الوزراء، وإنما في الرسالة التي تحملها، فالاقتصاد لا يتقدم بإعادة تسمية الأدوات القديمة أو تقديمها في ثوب جديد، وإنما بالاعتراف بما نجح وما فشل، وبناء السياسات على تقييم موضوعي للتجارب السابقة، أما الشراكة بين القطاعين العام والخاص، فهي ليست اكتشافًا، ولا اختراعًا، ولا عصًا سحرية لإنقاذ المالية العامة، إنها مجرد أداة.
وقد أثبتت تجارب العالم أن الأداة نفسها قد تصنع نجاحًا في دولة، وتصنع عبئًا في أخرى،الفرق في النهاية، ليس في اسم الآلية، بل في كفاءة من يديرها، وشفافية من يطبقها، وجرأة من يراجع نتائجها بدلًا من الاكتفاء بتسويقها.




















