لم يكن جمال عبد الناصر مجرد رئيس حكم مصر، بل كان مشروع أمة بأكملها، مشروع دولة ترفض أن تكون ذيلاً لأحد، وشعباً يأبى أن تُكسر إرادته. ولذلك عندما يتردد اليوم وصف “أبو الهزائم”، يصبح من الواجب تصحيح مفهوم اختلط على كثيرين، ألا وهو: ما معنى الهزيمة حقاً؟
إن الهزيمة بمعناها التاريخي والسياسي لا تُقاس بعدد الطائرات التي احترقت على المدرجات، ولا بمساحة الأرض التي دخلها العدو مؤقتاً. فتلك أمور عسكرية قد تحدث في ميادين القتال كراً وفراً. أما الهزيمة الحقيقية فهي أن ينجح عدوك في تحقيق الهدف السياسي الذي أشعل من أجله نيران الحرب. ولتقريب المعنى، تأمل معي هذا المشهد: يطرق بلطجي باب بيتك طالباً يد ابنتك، فترفض، فينقض عليك بالبطش والضرب حتى يسقطك أرضاً. إنها ضربة موجعة بلا ريب. ولكن بعد أن يفرغ من بطشه يعود ليكرر مطلبه: إن شئت السلام فزوّجني ابنتك. فتأبى وترفض رغم الألم، وتؤثر أن تبقى مجروحاً على أن تُفرّط في عرضك ومبدأك. فمن المهزوم؟ أنت الذي تحملت الأذى وصنت كرامتك، أم هو الذي عجز رغم قوته عن انتزاع ما أراد؟ هذا بالضبط ما جرى في صبيحة الخامس من يونيو 1967. نعم، تلقت مصر ضربة جوية قاسية، وهذه حقيقة لا ينكرها منصف. ولكن هدف العدوان لم يكن سيناء، كان الهدف كسر إرادة جمال عبد الناصر وإجهاض مشروعه القومي وإجباره على الاعتراف بالكيان الصهيوني والصلح معه.
وما الذي أرعب واشنطن وباريس وتل أبيب من عبد الناصر إلى الحد الذي دفعهم لشن حرب 1956 ثم عدوان 1967؟ الجواب نجده في كلماته حين حدد سبب العدوان: إنهاء الثورة الاشتراكية في مصر. فأعظم انتصاراته لم تكن في ميادين القتال فحسب، بل في ميادين العدالة والتحر. لقد انتصر على الإقطاع بقانون الإصلاح الزراعي عام 1952، فكسر ظهر الإقطاعي ووزع الأرض على الفلاح فأصبح مالكاً لأرضه واقفاً على قدميه. وانتصر للعامل بقوانين التأمين والمعاشات والحد الأدنى للأجور فاستعاد كرامته. وبنى دولة الإنتاج فشيّد ألفاً ومائتي مصنع، وأقام مجمع الألومنيوم في نجع حمادي، وأتم بناء السد العالي.
وامتد انتصار عبد الناصر ليصبح انتصاراً قومياً وعالمياً. ففي اليمن وقف إلى جانب ثورة 26 سبتمبر 1962 ضد الإمامة والاستعمار البريطاني، وخاض حرباً ضارية انتهت بانتصار المشروع الجمهوري وبقاء اليمن جمهورية حتى اليوم. وفي الجزائر كان دعم مصر لثورة التحرير الجزائرية سبباً مباشراً في عدوان 1956، لأن فرنسا أدركت أن القاهرة هي عمق الثورة الجزائرية. وعندما تحررت الجزائر في الخامس من يوليو 1962 ورفعت علمها، كان انتصارها انتصاراً لعبد الناصر ومشروعه القومي. لقد كان عبد الناصر أباً لكل حركات التحرر الوطني في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. في عهده كانت مصر قبلة الثوار ومنارة دول عدم الانحياز. في عهده لم يجرؤ أحد على المساس بأمن مصر المائي، لأن هيبة مصر كانت رادعاً، وكلمتها كانت لها وزنها في القارة الأفريقية والعالم العربي.
وبعد شهرين من ضربة يونيو، وقف عبد الناصر في مؤتمر الخرطوم ليعلن قرار الأمة: لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض مع إسرائيل. بهذه اللاءات الثلاث سقط الهدف السياسي للعدوان. الضربة العسكرية لم تُترجم إلى مكسب سياسي واحد، ولذلك لم يُهزم عبد الناصر، ظل ناصراً لأنه لم يرضخ.
وإذا فتّشنا في سيرته لن نجد هزيمة مبدأ واحدة. انتصر على الملكية وأسقطها. انتصر على المستعمر وأجبره على الجلاء. انتصر في تأميم القناة فعادت لمصر. وانتصر في العدوان الثلاثي 1956 فبقيت القناة مصرية وبقي النظام وبدأ بناء السد. وحتى بعد يونيو 1967 لم تستسلم مصر، فأُعيد بناء الجيش من الصفر بلا ديون، وأُقيم حائط الصواريخ، وصدّق على خطة العبور “جرانيت”. واقتصادياً حققت مصر نمو ثمانية في المائة سنوياً في 1969 و1970 مع فائض في الميزان التجاري وجنيه يساوي دولارين ونصف.
وهنا تكمن المفارقة القاسية. فبعد النصر العسكري في أكتوبر 1973، تحوّلت اللاءات الثلاث إلى موافقات ثلاث: صلح، اعتراف، تفاوض. أي أن أهداف 1967 تحققت بعد النصر. فأي التاريخين هزيمة؟ تاريخ رجل تلقى ضربة لكنه حافظ على مبادئه حتى وفاته، أم تاريخ حقق لخصومه ما عجزوا عنه بالسلاح؟
والأخطر هو تحويل ذكرى 5 يونيو إلى موسم سنوي للندب، هدفه ترسيخ عقدة ذنب وإقناعك أن أي مشروع استقلال وعدالة اجتماعية سينتهي بنكسة. يريدونك أن تخاف من تكرار تجربة الفلاح الذي امتلك أرضه والعامل الذي نال كرامته واليمني الذي استرد جمهوريته والجزائري الذي تحررت أرضه. ولكن الهزيمة الحقيقية هي أن يُهزم المصري اليوم في معركة لقمة العيش وفي البحث عن دواء وفي الحفاظ على كرامته، وأن تتراجع مكانة مصر التي كانت تقود ولا تُقاد.
رحل جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970 واقتصاد مصر أقوى من اقتصاد كوريا الجنوبية ولديها فائض 250 مليون دولار. رحل وديون مصر لا تتجاوز مليار دولار ثمن سلاح اشتراه لمعركة العبور. رحل وهو يرتدي قميص غزل المحلة ومشروعه لم يمت. والخلاصة التي لا تقبل الجدل أن عبد الناصر لم يذق طعم الهزيمة، لأن الرجال لا يُهزمون إلا إذا رضخوا، وهو لم يرضخ لحظة واحدة.

















