هدفٌ في مرمى نيوزلندا.. وهدفٌ في شباك الأرجنتين. لم يكونا مجرد رقمين في سجل كأس العالم 2026. كانا صرخةً خرجت من قلب الملعب إلى ضمير هذا الوطن.
مصطفى زيكو لم يأتِ من أكاديميةٍ بملايين الدولارات، ولم تصنعه شركات التسويق. صنعته يدٌ أنهكها الوقوف على الرصيف، ودعاءُ أمٍ ساهرة، وإصرارُ ولدٍ أبى أن ينكسر.
حكى مع عمرو أديب فبكى وأبكانا. قال: “كان أبي يفرش بضاعته في الشارع بمنطقة سيدي خميس في شبين الكوم. كنت أتدرب في الصباح، ثم أعود لأعينه”. وسكت لحظة، لعل الذاكرة استدعت مشهداً لا يُنسى: عربة البلدية وهي تهجم على الرصيف، تجمع البضاعة، وأبٌ يركض خلف رزقه، خلف لقمةٍ بالكاد تكفي خمسة أفواه؛ أربعة أبناء وزوجة. ذلك المشهد وحده يختصر معنى أن يبحث الإنسان عن كرامته في الشارع.
ثم تحدث عن الأم، عن السيدة التي حملت ما لا تحمله الجبال. قال: “كنا نستدين أحياناً لكي نأكل”. جملةٌ واحدة كافية لتلخص تاريخاً طويلاً من الصبر، ومن الدموع التي ابتلعتها في صمت، ومن الأحلام التي أُجلت حتى يكبر الأبناء.
وهنا يجب أن نتوقف؛ لأن قصة زيكو ليست قصة فردية نُصفق لها ثم نطويها. إنها مرآة.
إن تغول سياسات الرأسمالية المتوحشة، وتحويل التعليم والعلاج والفرصة إلى سلع تُباع لمن يملك، لا يبني أوطاناً. إنه يشيد قصوراً للقلة، ويترك الملايين على الأرصفة. وعندما يُطلب من الناس التحمل بلا سقف، بينما تزيد الأعباء فجأة، وعندما تُباع مصانع بناها الآباء بعرقهم ثم نتعجب من البطالة، وعندما تُترك الأبواب مفتوحة للاحتكار ثم نلقي بالمسؤولية على “الأسعار”.. فالنتيجة معروفة سلفاً.
والنتيجة أن الغني يزداد غنى بلا سقف، وأن الفقير يزداد فقراً بلا قاع. وأن شاباً متفوقاً بتقدير امتياز يقف عاجزاً، لأن الفرصة صارت لمن يملك الواسطة لا لمن يملك الكفاءة.
زيكو وصل. وصل لأنه عنيد. وصل لأنه ابن كادحين لم يستسلموا. ولكن أي وطن هذا الذي يجعل وصول أبنائه معجزة؟
وعندما عادت بعثة المنتخب، كان الاستقبال في مدينة العلمين؛ مدينة الأبراج العالية والبوابات المغلقة. مدينة لا يعرف طريقها أبٌ كان يفرش في سيدي خميس. العلمين الجديدة حيث لا رصيف يأوي الفقراء، ولا بضاعة تُسلب من صاحبها. وهناك في شبين الكوم، وفي كل قرية ونجع، حيث خرج زيكو.. لا يزال الأب يركض، ولا تزال الأم تحسب.
أي رسالة نرسل؟ أن من ينجز من أبناء الكادحين سيدخل “جنة” العلمين الأرضية، ومن لم تسعفه الفرصة سيظل يعيش في “مصر” حيث الرصيف الذي تصادر البلدية فرشته.
فكم من زيكو ضاع في الطريق؟ كم موهبة دُفنت لأن صاحبها لم يجد ثمن حذاء؟ كم عقل نابغ أُجهض لأن أهله كانوا يركضون خلف قوت يومهم؟ نحن لا نفتقر إلى المواهب. نحن نفتقر إلى العدالة في توزيع الفرص.
ارْفُقِي بأبنائك يا مصر. إن لهذا الوطن ظهراً واحداً لا يحميه إلا أبناؤه الكادحون. هم الوقود وهم البناء وهم المستقبل. هم الذين سيرفعون اسمك في المحافل إذا منحتِهم فرصة واحدة عادلة. فلا تضيقي عليهم، ولا تثقلي كاهلهم، فإن في إكرامهم إكراماً لكِ، وفي خذلانهم خذلاناً للجميع.
الوطن ليس شركة، والمواطن ليس رقماً في ميزانية. وظيفة الدولة الأولى أن تحمي الضعيف، وأن تضمن تكافؤ الفرص، وأن يصبح ابن عامل النظافة وزيراً إذا اجتهد، لا أن يرث الفقر أبد الدهر لأن أباه فقير.
رحم الله الأب الذي مات وهو يركض وراء رزقه.
وحفظ الله الأم الصابرة التي صانت بيتها وربت رجالاً في أصعب الظروف.
أما زيكو.. فهو اليوم لا يسجل أهدافاً فقط. إنه يسجل علينا ديناً؛ دين البحث عن أمثاله في القرى والنجوع والعشوائيات، ودين فتح الأبواب لهم قبل أن يكسروها من شدة اليأس، ودين أن يكون الاستقبال في العلمين بحجم الاحتفاء في سيدي خميس.
فإما أن نحيا جميعاً بكرامة.. وإما أن نغرق جميعاً، ولا ينفع بعدها ندم.




















