نحن جيل تعلم أن جمال عبد الناصر هو أول رئيس لمصر بعد عهد الملكية، وتم حجب ذكر الرئيس محمد نجيب، وأنه قائد حركة 23 يوليو 1952، واطلعنا على كثير من الكتب التي صورت لنا عبد الناصر بالزعيم القومي الوحدوي والقائد الملهم، وغيرها من الكتب التي هاجمته. وقد حكم 18 عامًا، حقق بعض الإنجازات وكثيرًا من الإخفاقات، وكان من أكثر الشخصيات في التاريخ العربي تعرضًا للمحاكمات والتقييمات حتى بعد وفاته، فلم يسلم من الجلد وقليل من الإنصاف.
عندما قرأت «البحث عن الذات» للسادات، تعجبت كيف يفعل هذا برفيق كفاحه، وذكر كلامًا لا أستطيع أنا أن أكتبه وأعيده مرة أخرى، وفهمت عندما قرأت مذكرات تحية كاظم، زوجة عبد الناصر، أن السادات كان رئيس الصدفة، وغيرها كثير من الكتب التي سمح لها بالنشر في عهده لتأكل من ميراث عبد الناصر وتشوه صورته، حتى السينما وقفت معه ضد عبد الناصر، ولنشاهد «الكرنك» و«إحنا بتوع الأتوبيس».
وانتشرت كثير من المذكرات الشخصية، كُتبت بخيال أصحابها، يدعون فيها البطولة، ويبحثون عن دور رئيسي وليس ثانوي، ليقولوا لنا: هكذا يكتب التاريخ. تابعت، وعلى مدار أيام، كل حلقات طارق حبيب مع أكثر من 120 شخصية من المحسوبين على حركة 23 يوليو، وكذلك قرأت كتابه.
فهل كانوا يستطيعون أن يقولوا ذلك في حياة جمال عبد الناصر؟
هل من حقنا أن نصدق كل ما ترك في كتبهم؟
نحن نتخذ مواقفنا وانحيازاتنا من خلال ما نقرأ، فقد خدعونا وقت أن طمسوا تاريخ محمد نجيب، وشوهوا الحقيقة، وخرج البعض مهاجمًا نجيب، وأنه كان تابلوه ليس له دور، لكننا ما زلنا نبحث عن الحقيقة، وهل كل ما ذكروه في كتبهم كان صادقًا أم تعمدوا التزييف لصنع بطولات وهمية؟ وهل نحن في حاجة إلى إعادة صياغة تلك الفترة مرة أخرى، أم يبقى الوضع كما هو عليه؟
ولنا أن نسرد بعضًا من آراء الضباط الأحرار في عبد الناصر، وغيرهم من الشيوعيين واليساريين الذين اكتووا بنار التعذيب والاعتقال في عهده، كما يدعون، وسأنقلها من مذكراتهم بدون زيادة حرف واحد.
فيقول حسين حمودة، وهو أحد الرعيل الأول من الضباط الأحرار: إن عبد الناصر أراد أن ينفرد بالمجد وحده، ولكي ينفرد بالمجد لا بد له من الانفراد بالسلطة، فتتبع من توهم مزاحمته له في ذلك المطلب بالاعتقال والتعذيب الوحشي والمحاكمات الظالمة، حتى قلم أظافرهم واستبد بحكم مصر وحده، كما كانت لدى عبد الناصر خاصية انتهاز الفرص وتدبير المكائد، ولا يهمه في سبيل الوصول إلى غرضه شرف الوسيلة، فأساء إلى من أحسنوا إليه، وتآمر ضد من غمروه بفضلهم، وتنكر لمن قدموا له معروفًا، وظل كذلك حتى وفاته.
ويقول: كان دستوره وقرآنه وإنجيله كتاب «الأمير» لميكافيلي.
ولا ننسى أن عبد الناصر دبر نهاية محمد نجيب، ومن بعده رشاد مهنا، ثم بطش بالماركسيين، وحل الأحزاب السياسية، وبطش برجالها، ثم دار على الإخوان المسلمين على مراحل، وزج بكل معارضيه ومنتقديه في المعتقلات، والتي كان فيها كل أنواع التعذيب، حتى صوروها أنها فاقت معسكرات النازي باستثناء أفران الغاز فقط.
ويقول اللواء محمد نجيب، أول رئيس لمصر بعد انتهاء عهد الملكية وقائد تنظيم الضباط، والذي لولاها لما كتب لتلك الحركة النجاح: «إن عبد الناصر عندما غدر به لم يحافظ على الأصول ولا التقاليد، وتعامل معي كأنني لص أو مجرم شرير، ولم يحترموا رتبتي ولا مركزي ولا دوري، وألقوا بي في أيدٍ لا ترحم وقلوب لا تحس، وبشر تتعفف الحيوانات من الانتساب إليهم»، و«إن عبد الناصر وشلته سعوا طوال الوقت إلى التخلص من الضباط الذين لم يتبعوا سياسته، وتخلصوا منهم بعد أن كمموا أفواه المدنيين، وسعوا إلى تشريد العسكريين، وبعد أن كنا نقرب الشرفاء أصبحوا يقربون المنافقين ماسحي الجوخ».
ويقول خالد محيي الدين، عضو مجلس قيادة الثورة، ومن ثم تمت الإطاحة به مبكرًا لتمسكه بالديمقراطية، وعلى الرغم من روح الحب التي ينقلها خالد في كتابه «الآن أتكلم» إلى عبد الناصر، إلا أنه ذكر: «وهكذا بدأت حسابات السلطة تدخل فيما بيننا، وتلك الحسابات التي كان جمال أول من مارسها وأكثر من أتقنها»، ثم يرى أن هزيمة يونيو 1967 لم تكن هزيمة عسكرية، بل هي في الجوهر هزيمة سياسية.
ثم يذكر خالد محيي الدين: «إنه بعد الهزيمة كانت هناك فرصة للديمقراطية، وتقتضي أن يقدم عبد الناصر تنازلات للشعب، ولم يكن عبد الناصر، برغم الهزيمة، مستعدًا لتقديم أي تنازلات».
ويقول عبد المنعم أمين، وهو أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة، ويقرر صراحة تأييده لجمال عبد الناصر: «ويؤكد أننا بحاجة إلى ديكتاتورية صناعية طالما أننا قررنا إقامة ديكتاتورية عسكرية»، وهذا يؤكد اتجاه التنظيم في شكل حكم مصر بعد سقوط فاروق والتخلص من كل المعارضين.
ثم ننتقل إلى عبد المنعم عبد الرؤوف، الرجل الثاني في قيادة مجلس قيادة الثورة، في مذكراته «أرغمت فاروق على التنازل عن العرش»، ورحلة عبد المنعم طويلة جدًا، فقد ظلمه زمانه وذاق حياة النفي والتشريد، وحكم عليه عبد الناصر بالإعدام، ولكنه استطاع الهروب، ولم يعد إلى مصر إلا في عهد السادات، واستقبله ممدوح سالم، وزير الداخلية، بالمطار، وأسقطت عنه جميع التهم، يقول في عبد الناصر: «إن له مزايا وعيوبًا، أما عن مزاياه فهو طموحه، وأما عن عيوبه فهو حقده وخبثه وقسوته».
ويقول فتحي رضوان: «إنه كان فرعون مصر، وإمبراطور روما، وقائد التتار، وهتلر ألمانيا، وسالازار البرتغال، ولكن هناك من يزعم اليوم أنه كان اشتراكيًا».
ويقول إلهامي سيف النصر، في كتابه «معتقل أبو زعبل»: «إن عبد الناصر خدع الشعب خديعة كبرى عندما رفع لواء الدستور والقانون في أول بيان للثورة، وعندما تمكن من الحكم داس الدستور والقانون بقدميه، ولم يسمح برأي مخالف، ولا حتى بمحاكمات عادلة، وزج بمعارضيه في السجون بدون رحمة، وحرمهم حتى من حقوقهم الإنسانية، وأهان آدميتهم، فهكذا كان يحكم عبد الناصر».
ثم يقول الدكتور عبد العظيم أنيس في مذكراته: «ظهرت إنسانية عبد الناصر في أنه ترك سجناء الرأي بدون مورد للرزق، وترك أسر المعتقلين لأهل الصدقة»، ويضيف: «وأنه كان نظامًا فاشيًا، ولم يسمح بزيارة زوجتي لي إلا بعد أربع سنوات ونصف من الاعتقال».
ويذكر الدكتور لويس عوض: «إن عبد الناصر سيدخل التاريخ باثنين من أهم إنجازاته، وهما تصفية الشيوعية وتصفية الديمقراطية، ليس فقط في مصر بل في العالم العربي، فهذه كانت اشتراكية عبد الناصر، والتي تبعد كل البعد عن النظم الاشتراكية الحقيقية، وقد دمر عبد الناصر مبدأ القومية المصرية، والحقوق والحريات والديمقراطية، بل دمر حرية التفكير والإبداع والتعبير والعمل، وأهان القانون والدستور، فهكذا كان نظامه الاشتراكي».
ولكن الأغرب من كل ما سبق، ومن كل ما قرأت عن تلك الحقبة، أن هؤلاء الذين اكتووا بنار التعذيب والاعتقال، وتلقوا الإهانات والتنكيل، وسحلوا، ووقفوا عرايا في التشريفة اليومية صباح مساء، هم أشد المدافعين عن نظام جمال عبد الناصر.
وهذا هو السؤال الذي يحيرني دائمًا، وحتى تلك اللحظة: من أين اكتسب عبد الناصر كل ذلك الحب الذي ظهر في جنازته؟
ورغم ذلك، لا نملك إلا الرحمة له من الله، فهو بين يدي العادل الحق، وكما كان له سلبيات، فمن المؤكد أن له إيجابيات كثيرة، إذ ما زال يعيش بيننا رغم كل تلك السنوات على رحيله.
لكن من حقنا أن نعرف الحقيقة، لا أن تذكر السلبيات وتطمس الإيجابيات.





