في اللحظة التي تلي الجريمة الإرهابية مباشرة. يقع التفجير وتسيل الدماء، وحين يُفترض أن نسأل: من المحرك؟ ومن المستفيد؟ يخرج “التنويري” مسرعًا على كل المنصات ليحرف البوصلة.
يقول: لا تبحثوا عن اليد التي دفعت، ابحثوا عن النص. لا تسألوا عن غرفة العمليات في الخارج، اسألوا عن الدرس في الداخل. المشكلة ليست في العدو الذي مول ودرب، بل في الدين نفسه.
وهكذا يبادر إلى تبرئة الإرهابي من تهمة العمالة: فالإرهابي في زعمه ليس مأجورًا بل هو متدين. وفي نفس الوقت يبرر الجريمة بإلصاقها بالدين والتراث والأئمة. وبهذا التشويه الممنهج يُبرأ الإرهابي من جريمة الخيانة، وتصبح جريمته هي التمسك بدينه!.
وهنا تقع الكارثة الحقيقية.
في لحظة الصدمة والتيه، وبعد أن تم إقصاء تيار الوسطية وتشويه علمائه، يُحشر الشاب في زاوية بلا مخرج. فلا يجد أمامه إلا طريقين:
الأول: طريق الحمية للدين الذي يدفعه إليه خطاب التنوير، فيستقبله الإرهابي قائلًا: “تعالَ ندافع عن دينك”، فيتحول إلى متشدد يكره الوطن باسم الدين.
الثاني: طريق اليأس، فيقول: “دين أدى إلى كل هذا الدم لا يستحق التمسك به”، فيتحول إلى ناكر لدينه يكرهه باسم الوطن.
وهكذا ينجح خطاب التنوير في دوره الأخطر: إما يدفع الشاب إلى الإرهاب، أو يضمه إلى الإلحاد.
في الحقيقة، الإرهاب و”التنوير” المزعوم ليسا إلا هندسةً خبيثة لتفكيك أمة. تقوم هذه الهندسة على إلغاء الخيار الأهم: الاعتدال والوسطية. وفيها تعمل يدان في آنٍ واحد: يدٌ إرهابية، ويدٌ إلحادية.
لمصلحة من؟
لمصلحة عدو يريد معادلة مكسورة: وطنًا بلا دين فيصبح جسدًا بلا روح، ودينًا بلا وطن فيصبح شيعًا متناحرة. لا يريد المعادلة التي بنت هذه الأمة: دينٌ وسطي يحمي الوطن، ووطنٌ يحتضن الدين الوسطي؛ لأنه يعلم أن هذه هي مناعة الأمة.
والأصل في الإسلام واضح وصريح. قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143]. فالإسلام دين الوسطية، والوسطية هي الحصن. لكن المشروع الحالي هدفه واحد: أن يحشرك بين طرفين. طرف متطرف يغالي باسم الدين، وطرف مفرط يهاجم الدين باسم التنوير. حتى تختفي الوسطية التي هي الأصل والحل.
الخلاصة:
الإرهابي ليس نصيرًا للدين، والتنويري ليس محاربًا للإرهاب. كلاهما موظف في مشروع واحد لهندسة الوعي.
لسنا ضد الإرهابي لأنه متدين، وإنما لأنه أداة في مخطط لهدم الدولة من الداخل.
ولسنا ضد التنويري لأنه ضد الإرهاب، وإنما لأنه شريك للإرهابي. مهمته أن يتستر على العقل المدبر، وأن يقنع الرأي العام أن سبب إدانة الإرهاب هو “التدين” لا “العمالة”.
وبهذا يمنح الإرهاب شرعية زائفة، ويمنح العدو غطاءً أيديولوجيًا.
إنها جريمة مزدوجة: يدٌ تفجر، ويدٌ تبرر. وكلتاهما تعملان ضد الدين وضد الوطن.





