لسنا بصدد الحديث عن فيلم “العيال هربت” لحمادة هلال، ولا عن حكاية أصدقاء أضاع الزحام رزقهم فخرجوا يبحثون عنه.
نحن أمام حكاية واقعية أقسى وأطول. حكاية تُذاع فصولها منذ سنوات في نشرات الأخبار، لا على شاشات السينما. إنها حكاية هروب اللاعبين من البعثات الرياضية. بعثةً تتلوها بعثة، واسماً يضاف إلى قائمة الغياب. وهي حكاية لا تدعو إلى الضحك، ولا تختتم بلقطة سعيدة. إنها مرآة قاسية تعكس سؤالاً واحداً: متى تحوّل الوطن الذي حملوا اسمه بالأمس، إلى مكان لم يعد في حسابات أبنائه ما يستحق أن يعودوا من أجله اليوم؟
واقعة هروب لاعبين من بعثة رياضية لا تحتاج إلى بيان يُبرر، ولا إلى لجنة تسأل عن جواز سفر ضاع. إنها تحتاج إلى اعتراف واحد: بأن هناك من مزّق العهد بين الدولة وأبنائها بسياسات فُرضت عنوة، دون استشارة، ودون أن يُسأل هذا الشعب العظيم عما يريد.
إنها حكومة متعالية تظن أنها تحتكر الحكمة، وتخاطب الناس من عالٍ كأنها تمنحهم صدقات لا حقوقاً. حكومة اختارت أن تُدير الوطن بمنطق السوق، ثم دهشت حين طبّق الناس هذا المنطق عليها. قالت لهم لسنوات: “لا شيء ببلاش” و”اللي معهوش مايلزموش” و”اللي مش قد الخلفة ما يخلفش”، فعلمتهم أن يحسبوها. فلما حسبوها وجدوا أن حكومة لا تصونهم لا تستحق أن يحملوا اسمها أو ينافسوا تحت رايتها، فمضوا.
ولنتذكر: لم تكن بطاقة التموين يوماً مجرد سلع. كانت عهداً. كانت الدولة تقول للمواطن: سأكفيك وأصونك، وأنت ستصون هذا الوطن بروحك إذا احتاجك. وكانت صفقة شرف. أبرمها قادة عسكريون فهموا أن قوة الدولة تبدأ من كرامة أبنائها البسطاء. كان ابن الفلاح يخرج للحرب راضياً، وكانت أم الشهيد تبكي وحيدها قائلة: “عندي غيره، فداء للوطن”. لم يكن ذلك سذاجة، بل كان حباً متبادلاً بين دولة تحتضن وشعب ينتمي.
أما اليوم فقد نقضت الحكومة هذا العهد. تخلت عن دورها كما يتخلى التاجر عن بضاعة كاسدة، وتركت أبناء الغلابة وحدهم في مواجهة الغلاء والمرض والخوف، ثم طالبتهم فجأة أن يكونوا درعاً وسنداً. ونسيت أن أولاد الغلابة هم جيش مصر الحقيقي، وهم من حملوا البلد في كل المحن. قطعت السند، وأبقت على المطالبة.
إن الفارق الطبقي الذي صنعته هذه السياسات لم يقتل العدالة فحسب، بل قتل آخر ما تبقى من صبر. ومع ذلك لا يزال هذا الشعب صامتاً. ليس لأن الصمت رضا كما تتوهم الحكومة، بل لأن هذا الشعب واعٍ ويفهم ألف مرة أكثر من الذين يديرونه. إنه صمت وطني، صمت من يحرس بيته من الانهيار رغم أن من أشعل فيه النار. لدينا شعب يخاف على هذا الوطن أكثر من حكومته، شعب لا يمكن الضحك عليه ولا استغفاله.
إن ما حدث مع اللاعبين هو الترجمة الحرفية لهذا الغضب المكتوم. هو أن هناك من لم يعد يرى سبباً واحداً للتضحية من أجل بلدٍ تحوّل إلى فندق تُدفع فيه مقابل كل نَفَس. دول مستقرة قد تحتمل منطق السوق، أما نحن فدولة في قلب الخطر، تحتاج إلى جيش من المنتمين لا إلى زبائن. ولا نملك ترف أن نترك المواطن يواجه مصيره وحده، ثم نطالبه في لحظة الحسم أن يكون بطلاً.
إن طريق التشديد وسحب الجوازات هو طريق العاجزين، وهو طريق يقود إلى الهاوية لا إلى مصاف الدول الكبرى. والطريق الوحيد هو استعادة روح ذلك العهد: دولة أم ضامنة، ومواطن شريك لا رقم، وانتماء يُبنى بالاحترام لا بالشعارات. العودة إلى زمن كان فيه للفقير سند، وللعامل أمان، وللبطل مستقبل. فالذين أسسوا هذا العهد لم يكونوا أقل بصيرة، ولا أقل وطنية ممن انقلبوا عليه اليوم ويسرّعون بالبلاد نحو الكارثة.
غير ذلك سنظل نخسر. سنخسر أبطالاً، وسنخسر وقتاً، وسنخسر هذا الصبر الأخير الذي يتمسك به شعب عظيم حفاظاً على وطنٍ لا تحرص عليه حكومته.

















