إبان مظاهرات استقلال القضاء عام 2006 كنا مجموعة لا تصل لأصابع الكفين -من أعضاء حزب التجمع بأسيوط- نقف أمام مجمع محاكم أسيوط ونرفع شعارات استقلال القضاء عندما حاصرتنا قوات الأمن ودفعونا لسيارة الشرطة اللوري المغلقة التي سارت بنا لمسافة طويلة ثم افلتتنا كالفئران في الصحراء لنكتشف أننا في صحراء أسيوط الجديدة.
ذلك مشهد يلخص واقع المعارضة التقليدية قبيل ثورة 25 يناير، والتي ظلت حتى قبيل الثورة مجموعات متناثرة منعزلة خائفة مرتعبة، -وذات اسقف منخفضة– كالتعبير الشهير للمفكر اليساري البارز رفعت السعيد معارضتنا-كما هي الآن واهية مترددة خائفة، وأحيانًا متعاونة.
وعندما تمت الدعوة لمظاهرات 25 يناير كانت كل قوى المعارضة التقليدية مترددة، ولم تأخذ موقفًا واضحًا تجاه تلك الدعوات -على ما أتذكر- وكان الإخوان الأكثر ترددًا وعدم اتخاذ موقف -ربما الرفض كان أوضح- من دعوات التظاهر.
صباح 25 يناير كانت الدعوة للتجمع بأسيوط بحيها الأشهر والأكثر شعبية بالوليدية، ذهبت حيث الموعد، فوجدت شبابًا لا أعرف أحدًا منهم، هؤلاء لم يشاركوا أيًا من أحزابنا التقليدية في أية فعالية، ولا حتى على سبيل التعارف.
رأيت شبابًا جديدًا بقضه وقضيضه، شبابًا لم نعرفهم ولا يعرفوننا استبشرت خيرًا -وأنا اهتز وجدانيًا وأنا أكتب الآن- وتركت نفسي تحت قيادتهم، أسير خلفهم وأردد ما يهتفون به، سمعت شعاراتهم ورددتها، لم تكن كشعاراتنا ولا هتافاتنا، ووجوهم كانت غير وجوهنا، وإصرارهم كان باديًا على وجوههم، غير يأس وجوهنا الكاحلة.
وجدت شبابًا يمتلئون روحًا، لم تخالطهم أرواحنا المتيبسة -كنت قد وصلت الخمسين- ولكنني كنت أشعر بالعجز التام، ولكنني كنت -كما الآن – متفائلًا، وواثقًا بأن التغيير قادم لا محالة، ولا أعرف كيف؟! كنت واثقًا وأنا أتحدث مع أصدقائي بأن مبارك لن يستمر فضلًا عن توريثه السلطة لنجله جمال بتاع لجنة السياسيات وأصحابه من رجال المال والسياسة.
تمكن شباب 25 يناير من إعادة تجميع الشعب المصري حول أهداف: العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
كان الشباب ممتلئًا صحة وعافية وإصرارًا وثباتًا على المباديء، هم يريدون تحيق كل هذه الأهداف دون مساومة، دون تفاوض، دونما مصالح خاصة وضيقة وعفنة مثل مصالحنا!
ومع إصرار الشباب على استكمال الثورة بشروطها، تداخلت طموحات الشيوخ، وألاعيبهم السياسة، وأهواءهم ومطامعهم!، عادت القوى القديمة للاستفادة من ثورة الشباب وللركوب بجوار كراسي السلطة.
تحالف التقليديون من المعارضة لجني الثمار دون أن تنضج، تحالفت قوى تقليدية كانت في خصومة، واتفقت القوى الإسلامية حتى من كانت متخاصمة، وتحالف معارضون يساريون مع الإخوان
وتمزقت القوى المدنية، بين مقاطعة الانتخابات، أو خوضها بقوائم وفردي شتى أمام قوائم متوحدة للتيار الديني وفاز الإسلام السياسي بالغالبية العظمى من مقاعد الشعب والشورى، ودخلوا على الرئاسة بمرشح وحيد أمام عدد كبير من مرشحي القوى المدنية للرئاسة، وفازوا بها، لتبدأ نهاية الثورة إلى حين، وليتحالف المدنيون مع العسكريين لإسقاط الإخوان، ظنًا منا أو طمعًا بأن إزاحة الاسلامويين -مما كان يطلق عليهم رفعت السعيد- ستنجح الثورة، وتعيد لمصر وجهها المدني.
15 عامًا مرت على ثورة 25 يناير، ولا زال الشعب يطمح لتحقيق شعاراتها، 15 سنة من السنين العجاف والشعب كله محاصر بالجوع والقهر وإهدار الكرامة، ولا زال يراوده الأمل في استعادة ثورته بشعاراتها بجمالها بشبابها.
نعلم بأن حكم الإخوان كان كابوسًا لم يستمر لعام، ولكن هل نحن الآن في حال أفضل؟!، هل وقوع معظم الشعب المصري تحت خط الفقر اللعين وتؤمه الأشد لعنة خط الفقر المدقع يمثل جمهورية جديدة كما يدعون؟!، أي جمهورية جديدة؟!، هل الخوف والجوع والمرض والجهل بجديد؟!، هل فشلت ثورة يناير في تحقيق أهدافها؟! وهل فشلت كثورة؟!، وهل نحن بحاجة لنسف أحزابنا الحالية، كما كان يقول أحد الإعلانات (انسف مطبخك القديم)، هل هناك جيل من الشباب يختمر ليغير هذا الوضع البائس؟!، أم أن النظام الحالي، لديه بعض الفطنة وقليلًا من العقل ليقل: بيدي لا بيد عمر!!
وهل أزمة القضاء الحالية هي نفسها إعادة لسيناريو أزمة القضاء 2006 وسيكون لها ما بعدها؟!، أم أن أزمة القضاء الحالية هي أزمة ذاتية للقضاة وورثتهم ومجلسهم، وتوريثهم ولا علاقة للشعب ولا باستقلال القضاء للأزمة الحاليك بصلة؟، هل من الممكن أن تتحول الأزمة لإصلاح حقيقي من أجل استقلال حقيقي للقضاء؟، لا صراع على حصانة الوشاح بين أبناء القضاة واحفادهم وأبناء مؤسسات سيادية آخرى لزيادة الحصص، وستنتهي الأزمة بتقاسم التورتة بشكل آخر؟!
ما اعتقده أن ثورة يناير لم تُهزم بعد، وأن جذوتها تحت الرماد، ولا تحتاج إلا لنفخة واحدة، وسيعود الشباب ونرجع نغني من تاني مع مبدعنا الجميل عبدالرحمن الأبنودي ملحمته الخالدة (قصيدة الميدان/ ارحلي دولة العواجيز): طلع الشباب البديع، قلبوا خريفها ربيع، وحققوا المعجزة، صحوا القتيل م القتل.


















