نادرا ما ارى شابا يمسك كتابا، يقلب صفحاته في هدوء، ويترك عينيه تسافران بين السطور. صار المشهد الاكثر شيوعا هو شاب اسير لهاتفه، يحدق في شاشته لساعات، حتى بدا ذلك المستطيل الصغير وكأنه امتلك شيئا اكبر من ايدينا؛ امتلك انتباهنا، ثم عقولنا، وربما شيئا من قدرتنا على التأمل.
منذ طفولتي، كنت ارى جدي يجلس ممسكا بجريدته، يقرأها في هدوء يشبه الطقوس اليومية. ومنه تعلمت ان احب الورق قبل ان افهم ما الذي يمكن للورق ان يمنحني اياه.
كانت رائحة الجريدة تملأ رئتي بشيء يشبه البهجة. كنت اقلب صفحاتها بحماس، اقرأ العناوين العريضة حتى وان كنت لا افهم معناها ولا ادرك مقصدها، ثم ابحث عن الكلمات المتقاطعة، وانتقل بعدها إلى صفحات الحوادث والوفيات.
وكان لكل نعي اقرأه حكاية خاصة في رأسي.
كنت اتساءل: كيف مات هذا الرجل؟
ثم يبدأ خيالي الصغير في نسج قصة لا تمت إلى الحقيقة بصلة. اتخيل حياته، واسباب رحيله، والاشخاص الذين تركهم خلفه. كنت امنح كل اسم قصة، ولكل صورة نهاية من اختراعي.
كانت تلك لعبتي المفضلة.
ولم اكن اعرف وقتها انني، من حيث لا ادري، كنت اتعلم اولى دروس القراءة؛ ان الكتابة لا تبدأ من الكلمات، وانما من السؤال، وان القارئ الحقيقي لا يكتفي بما هو مكتوب، بل يحاول ان يرى ما بين السطور.
اما اليوم، فآسفة على هذا الحاضر.
آسفة لاننا لم نعد نمنح عقولنا الوقت الكافي لتستمتع.
صار الهاتف اقرب الينا من الكتاب، والشاشة اسرع من الصفحة، والمحتوى العابر اكثر اغراء من فكرة تحتاج منا إلى التمهل حتى نفهمها.
لكن المشكلة ليست في الهاتف وحده.
فالكتاب نفسه لم يعد دائما ذلك العالم الذي كنا نبحث عنه.
اصبحت بعض الكتب هابطة، تشبه في سطحيتها كثيرا مما تقدمه شاشات التلفاز والسينما. واصبحنا نفتقد ذلك الادب الذي كان يضع يده على جرح المجتمع دون ان يصرخ، ويشير إلى عيوبه في هدوء، فتصل الاشارة إلى القلب قبل العقل.
اين ذهبت تلك الاعمال التي كانت تجعلنا نرى انفسنا في شخصياتها؟
اين الكتاب الذي يجعلك تغلق صفحته، ثم تظل تفكر فيه لساعات؟
لقد تحولت بعض دور النشر، مع الاسف، إلى مشاريع تجارية لا يعنيها دائما ما اذا كان العمل يستحق ان يولد، بقدر ما يعنيها ان يكون قابلا للبيع. وهكذا يصبح الكتاب سلعة، وتصبح الفكرة هامشا، ويبتعد الابداع شيئا فشيئا عن المشهد.
وعلى الجانب الآخر، هناك اعمال حقيقية تستحق ان تقرأ، بل تستحق ان تحب، كتب كتبها اصحابها بصدق، وبذلوا فيها من ارواحهم ما يكفي لتعيش طويلا.
لكنها تموت في صمت.
لا لانها ضعيفة، وانما لانها لم تجد قارئا.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
ربما لم يعد ازمتنا اننا لا نملك كتابا جيدا، بل اننا فقدنا الجمهور الذي يبحث عنه.
حتى صار المشهد احيانا ساخرا ومؤلما في آن واحد:
الكاتب يكتب، والكاتب يقرأ، والكاتب يراجع، والكاتب يصفق لكاتب آخر.
اما القارئ الذي لا يكتب، القارئ الذي يفتح الكتاب فقط لانه يريد ان يعرف ويشعر ويتغير، فقد اصبح نادرا.
ولعل السؤال الذي يجب ان نخاف منه ليس: لماذا لا يقرأ الشباب؟
بل:
ماذا فعلنا بالكتاب حتى اصبح غريبا بين ايدينا؟
وماذا فعلنا بعقولنا حتى صرنا نبحث عن كل شيء في ثوان، ولا نملك الصبر لنبقى مع فكرة واحدة حتى النهاية؟
ربما لم يمت الكتاب.
ربما نحن الذين نسينا كيف نقرأ.






















