كل شيء يتغير، يتغير بشكل مخيف،
لم تعد الامور واضحة.
عيناك لم تعد ترى النور بوهجه.
التجاعيد رسمت خرائطها على وجهك.
اسنان باتت كقشور البيض تتفتت بمجرد الضغط عليها.
اصبحت رئتاك تأبى استقبال الكثير من الهواء.
شفاه تدلت الي الاسفل وكأنها تعلن استسلامها عن عمر مضي ف الكثير من الضحك والاكثر منه الحزن.
لم تعد اعضائك تعمل بشكل مثالي.
لكن الاشد روعا
انك تجد نفسك وحيدا، لا تجد من يسمعك، لا تجد من تتحدث اليه
وان وجدت من يستمع اليك ستجده متضررا من احاديثك المملة، فهي احاديث كاوراق الجرائد ذات اللون الاصفر المتهالكة
كان الجميع يبحث عنك وعن احاديثك المملوءة حياة.
اصبح كل اهتمامك الا تكون كجبل على كاهل احدهم، تريد ان تكون مثلا ريشة جميلة ناعمة حتي لا يبتعد عنك احدا ظننت انه نجدتك..
ثمة صور لا نحتفظ بها لأنها جميلة، بل لأنها تحمل أعمارا كاملة بين أطرافها. صورة واحدة قد تختزل سنوات، وضحكة، ودمعة، ووجوها رحلت، وأحلاما ولدت ثم انطفأت. وما إن تقع عيناك عليها حتى تشعر وكأن الماضي لم يمض، بل كان ينتظرك داخل إطار صامت.
وحينها تسأل نفسك: ماذا جنيت من كل تلك الأعوام؟ وما الذي بقي بعد هذا الركض الطويل؟
وفي غمرة هذا السؤال، تنسى ـ أو تتناسى ـ أن الحياة لم تكن بخيلة معك دائما. فقد منحتك لحظات استحقت أن تعاش، أفراحا جاءت مصادفة، وأخرى صنعتها بيديك، وقلوبا احتضنتك، وطرقا علمتك ولو كان ثمنها بعض الندوب.
ثم تجلس محدقا في الأمس، كأن العمر انتهى عند آخر ذكرى.
لكن اسمح لي أن أذكرك بشيء ربما غاب عنك… أنت ما زلت هنا. ما زلت تتنفس، وما زالت عيناك تقرآن هذه الكلمات، وما دام في صدرك نفس يتردد، فهناك فصل لم يكتب بعد، ورسالة لم تؤد بعد، وجمال لم تقع عيناك عليه بعد.
فلا تجعل الماضي موطنك الأخير، بل اجعله محطة تستريح عندها ثم تمضي. افتح عينيك لكل ما يحيط بك، تأمل السماء، والوجوه، والطرقات، والضوء المتسلل من النوافذ، وكل التفاصيل التي تمر بها مسرعا. فالحياة لا تطلب منك أكثر من أن تراها قبل أن تصبح هي الأخرى ذكرى جديدة تعلقها على جدار الأيام.


















