اصبح اختلال قيم المجتمع متجليا بصورة مخيفة في الآونة الأخيرة، حتى بات التحرش ظاهرة تتسلل إلى الشوارع والطرقات ووسائل المواصلات، بل وإلى النفوس قبل الأماكن. لم يعد الأمر مقتصرا على تحرش بامرأة، بل امتد ليطال الأطفال، وتنوع بين اللفظي والجسدي والإلكتروني، وكأن الإنسانية نفسها بدأت تفقد ملامحها شيئا فشيئا.
صرنا نبحث عن شهامة الرجل المصري ورجولته التي طالما تغنينا بها، فنجدها تتبخر أمام أعيننا في كثير من المواقف. ترى الجريمة تقع في وضح النهار، بينما يقف البعض متفرجين وكأنهم جمهور في مدرجات ينتظرون من سيفوز بالمباراة، وآخرون يخرجون هواتفهم لتصوير المشهد وكأن الألم أصبح مادة للفرجة لا موقفا يستوجب النجدة.
أي عبث هذا الذي وصلنا إليه؟
كيف تحول التحرش من جريمة مخجلة إلى أمر يجد من يبرره ويدافع عنه؟
اليوم انقسم الناس بين معارض ومؤيد.
فريق يرى المتحرش إنسانا فقد عقله وضميره ورجولته، ويتساءل: كيف يرضى لنفسه أن يؤذي امرأة ربما تشبه أخته أو زوجته أو ابنته؟ وكيف يهان جسد إنسانة أو كرامتها فقط لإشباع نزوة مريضة أو شعور زائف بالقوة؟
وفي المقابل، يظهر فريق آخر أكثر قسوة، لا يوجه لومه للمتحرش بل للضحية نفسها. يفتشون في ملابسها، وشعرها، وطريقة حديثها، وكأنهم يمنحون المتحرش صكا يبرر دناءته. يقولون: انظروا ماذا ترتدي، وهل هذا حجاب، ولماذا خرجت، وكيف تحدثت… وكأن احترام المرأة أصبح مشروطا بشكلها لا بإنسانيتها.
لكن الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها، أن التحرش لا يرتبط بملابس ولا بعمر ولا بشكل، بل يرتبط فقط بخلل أخلاقي وفكري داخل المتحرش نفسه. فكم من محجبة تعرضت للتحرش، وكم من طفلة لم تدرك معنى الأنوثة بعد كانت ضحية لنفوس مريضة.
إن تبرير التحرش جريمة أخرى لا تقل قبحا عن التحرش ذاته، لأنه يمنح المذنب شعورا بالأمان، ويجعل الضحية تخجل من حقها في الدفاع عن نفسها. والمجتمع الذي يلوم الضحية أكثر مما يدين الجاني، هو مجتمع يحتاج أن يعيد النظر في مفاهيمه قبل أن يفقد ما تبقى من إنسانيته.
فالمرأة ليست مسؤولة عن مرض الآخرين، والاحترام لا يرتبط بقطعة قماش، بل بالتربية والضمير والأخلاق. وحين يدرك الجميع ذلك، ربما نستطيع أن نستعيد بعضا من القيم التي ضاعت وسط هذا الضجيج المخيف.
لا أعلم من ذاك الذي اخترق جهاز المجتمع وعبث بإعداداته، فبدّل القيم، وشوّه المفاهيم، وجعل القبح أمرا معتادا حتى ألفته العيون والقلوب. من ذاك الذي نزع من الناس الرحمة، وأطفأ في النفوس الشهامة، حتى أصبح البعض يرى الخطأ فلا ينكره، بل وربما يبرره ويدافع عنه؟
لابد من محاسبة ذلك المتسلل الذي تسلل إلى العقول قبل البيوت، وسلب المجتمع روحه الحقيقية، وجعل الأخلاق تبدو وكأنها أفكار قديمة لا تصلح لهذا الزمن. لابد من انتزاع التحكم من يديه، قبل أن يتحول الخراب إلى أمر طبيعي نعيش داخله دون أن نشعر.
نحتاج اليوم إلى إعادة ضبط المصنع، لا للهواتف والأجهزة، بل للنفوس والتربية والمبادئ. نحتاج أن نعيد للبيوت دفئها، وللشوارع أمانها، وللرجولة معناها الحقيقي، وللاحترام مكانته التي فقدها بين ضجيج التبرير والانحدار.
نريد مجتمعا يشبه ذلك القديم الذي كان فيه الكبير يُهاب احتراما، والصغير يُصان رحمة، والمرأة تسير مطمئنة لا تخشى نظرة ولا كلمة ولا أذى. مجتمعا كانت الأخلاق فيه أمرا فطريا لا قانونا يُفرض، وكانت الشهامة تُمارس بالفعل لا تُكتب في المنشورات.
فالأوطان لا تنهار فقط بالحروب، بل تنهار أيضا حين تسقط قيمها، وحين يصبح المنكر مألوفا والفضيلة غريبة بين الناس.
بقلم/ نانسي سامي





















