أتذكر الحياة الزوجية الخاصة بأبي وأمي، وجدي وجدتي، وأعمامي وغيرهم، كانت الحياة أكثر هدوءًا، لم تكن مثالية بالطبع، لكنها لم تحمل كل هذا الخوف الذي نراه اليوم.
لم أكن أسمع كثيرًا عن محاكم الأسرة، ولم تكن كلمة “الطلاق” تتردد على أسماعنا بهذا الشكل المخيف، ربما كنت أسمع عن جرائم قتل أحيانًا، لكن نادرًا ما كنت أسمع عن بيت انهار بهذه السرعة أو علاقة انتهت قبل أن تبدأ فعليًا.
أما اليوم، فقد أصبحت كلمة “زواج” نفسها تثير القلق داخل النفوس، لم تعد تعني الاستقرار بقدر ما تعني التفكير الطويل والخوف من المجهول، أصبح المقبلون عليه وكأنهم يدخلون معركة مجهولة النتائج، لا يعلمون هل سيخرجون منها سالمين أم محملين بالخسائر النفسية والخذلان.
والحقيقة أن ما نراه يوميًا كان له دور كبير في ذلك. لقد رأينا وسمعنا أكثر مما يجب، قصص خيانة، وانفصال، وعلاقات سامة، ومشكلات لا تنتهي، حتى أصبح الخوف يسبق الرغبة نفسها، فلم يعد الإنسان يدخل الزواج بقلب مطمئن، بل بعقل مليء بالتحذيرات والشكوك.
ثم جاءت ضغوط الحياة لتزيد الأمر تعقيدًا. أصبحت متطلبات المعيشة حملًا ثقيلًا على كاهل كل شاب، وأصبحت الفتاة ترى الزواج كطوق نجاة من واقع مرهق، تنتظر داخله الأمان والاحتواء والشعور بالاستقرار، وهذا حقها الطبيعي، فهي لا تطلب أكثر من حياة هادئة تشعر فيها أنها محبوبة ومطمئنة.
لكن المشكلة تبدأ حين يكتشف الطرفان أن الحياة لا تمنح كل شيء كاملًا كما تخيلا، هنا تبدأ الخلافات، لا بسبب غياب الحب دائمًا، بل بسبب الإصرار والعناد وتمسك كل طرف برأيه، وكأن العلاقة حرب يجب الانتصار فيها، أصبح التنازل ضعفًا في نظر البعض، وأصبح الاعتذار هزيمة، بينما العلاقات في حقيقتها لا تستمر إلا باللين والتفاهم والرحمة.
ربما لم يعد الزواج مثل الماضي لأن الناس تغيرت، والحياة تغيرت، والضغوط أصبحت أكبر، لكن الأكيد أن أكثر ما ينقص العلاقات اليوم ليس الحب فقط، بل الطمأنينة، فالإنسان حين يشعر أنه في معركة دائمة، لن يعرف كيف يبني بيتًا هادئًا حتى لو كان يحب بصدق.
والغريب أن الجميع اليوم يريد الحب، لكن القليل فقط مستعد لتحمل ما يحتاجه الحب كي يستمر، الكل يريد الشعور الجميل في البداية، لكن حين تأتي المسؤولية، أو تظهر العيوب، أو تبدأ الخلافات الطبيعية، يبدأ الهروب وكأن العلاقات خُلقت لتكون سهلة طوال الوقت.
مؤلم أن يصبح أكثر مكان كان يمنحنا الطمأنينة هو نفسه أكثر مكان يزرع القلق داخلنا.
كنا نظن أن الأمان يسكن البيوت، وأن القلب حين يتعب يجد راحته هناك، لكن يبدو أن بعض الأماكن لا تبقى كما كانت، وبعض الأشخاص يغيرون معنى الأمان داخلنا دون أن نشعر.
فأصبح أسفي الحقيقي على تلك الأماكن التي كنا نلجأ إليها هربًا من العالم، ثم اكتشفنا أنها كانت أكثر ما يخيفنا فيه.
إنها دعوة لإعادة النظر، لأن الماضي كان أجمل وأرقى وأكثر أمانًا.

















