فروق شاسعة بين العيش والتعايش، فهناك من يعيش يومه بروحه كاملة، يركض نحو ما يحب، يشعر بكل تفصيلة تمر به، يفرح بصدق ويحزن بصدق، وكأن الحياة خُلقت ليشعر بها لا ليؤديها فقط. وهناك من يتعايش مع يومه، يمر به مرور الغريب، يفعل ما يجب عليه فعله دون رغبة، يبتسم لأن الظروف تفرض عليه الابتسام، ويصمت لأن الكلام لن يغير شيئا.
لكن هل حقا تركت لنا الحياة حق الاختيار؟
هل نملك رفاهية أن نعيش كما نريد، أم أننا ندور في حلقة مفرغة من التكيف مع ما يُفرض علينا؟
ربما لم يكن الأمر اختيارا كاملا يوما، فالحياة كثيرا ما تدفعنا دفعا نحو طرق لم نردها، وتجبرنا على تقبل أشياء لو خُيرنا لرفضناها منذ البداية.
لكن، هل معنى ذلك أن نرفض كل ما يُفرض علينا؟
ليس دائما.
فهناك فرق دقيق، شعرة صغيرة تفصل بين الاستسلام وبين التعايش الواعي. أحيانا نتعايش لأن هناك أشخاصا يعتمدون علينا، لأن وجودنا يسهل الطريق لغيرنا، لأن مسؤولياتنا تجعلنا نؤجل أنفسنا قليلا حتى لا يثقل الحمل على من نحبهم.
نتحمل كثيرا، ليس لأننا أقوياء دائما، بل لأن بعض القلوب لا تملك رفاهية الانهيار.
لكن المؤلم حقا، أن يتحول هذا التعايش إلى اعتياد.
أن نعتاد الألم حتى لا نعود نراه، وأن نصبح غرباء عن رغباتنا الحقيقية، نعيش كما يجب لا كما نريد. فليس كل ما اعتدناه صار مريحا، أحيانا يكون الاعتياد مجرد شكل آخر من أشكال الوجع الصامت.
وربما أصعب ما في الأمر، أن الإنسان مع الوقت لا يعود يسأل نفسه: “هل أنا سعيد؟”
بل يكتفي بالسؤال: “هل أنا قادر على الاستمرار؟”
وهنا تحديدا، تبدأ المسافة بين العيش والتعايش في الاتساع أكثر من أي وقت مضى.
ومع ذلك، يبقى داخل كل انسان جزء صغير يرفض أن يتحول إلى آلة معتادة على الألم.
جزء يحاول التمسك بالحياة كما يجب أن تكون، لا كما فُرضت عليه.
فنحن لا نحتاج دائما إلى الهروب من الواقع، بل أحيانا نحتاج فقط إلى لحظة نشعر فيها أننا أحياء حقا.
لحظة لا نتعايش فيها مع الأيام، بل نعيشها بكل ما فينا.
وربما النجاة الحقيقية ليست في أن ننتصر على الحياة،
بل في ألا تسمح لنا الظروف أن نفقد أنفسنا بالكامل وسطها.
فأسوأ ما قد يعيشه الإنسان، أن ينجو بجسده بينما روحه غارقة في التعايش.






















