من الذي أقنعنا أن للحياة قطارا واحدا، وأن من لم يلحق به في موعد حدده الآخرون فقد خسر الرحلة؟
وعلى أي أساس وضعت تلك المقاييس التي تختزل عمر الإنسان في تاريخ زواج، وتمنحه لقبا لمجرد أنه لم يسر وفق توقعات المجتمع؟
عزيزتي…
أيهما أفضل حقا؟ أن تستقلي قطارا يمضي بك إلى وجهة لا تشبهك، فتقضين عمرك أسيرة اختيار متعجل؟ أم أن تنتظري القطار الذي يأخذك إلى المكان الذي تستحقينه، ولو مررت قبله بمحطات تعلمك، وتنضجك، وتسعد روحك؟
ليس التأخر في الوصول هزيمة، والهروب نحو أول محطة ليس انتصارا.
فالحياة لا تقاس بسرعة الوصول، بل بصحة الوجهة. وما يبدو للبعض تأخرا، قد يكون في الحقيقة توقيتا مثاليا كتبه الله لك، ليأتي الخير في أوانه، لا في موعد فرضه الناس.
لا تتعجلوا الوصول، فما كتب لكم سيأتي في أوانه. لكن إياكم أن تسرقوا من أنفسكم أجمل أيام العمر بلهفة الركض، فحين تنظرون إلى الوراء، لن تندموا على ما تأخر، بل على اللحظات التي لم تعيشوها.
تذكروا دائما أن الزواج ليس سباقا، ولا شهادة نجاح يمنحها المجتمع لمن يصل أولا. إنه شراكة وعمر كامل، فإن بني على التسرع كان الثمن سنوات من الندم، وإن بني على التفاهم والطمأنينة كان نعمة تستحق الانتظار.
لا تجعلوا ضجيج الناس أعلى من صوت قلوبكم، ولا تسمحوا لأحد أن يقرر متى يجب أن تبدأ حياتكم. فلكل إنسان توقيته الذي اختاره الله له، ولكل زهرة موسمها الذي تتفتح فيه، ولا يقلل تأخرها من جمالها، بل قد يزيده.
لذلك، لا تخشوا كلمة “تأخر”، بل اخشوا أن تعيشوا حياة لا تشبهكم، أو أن تقبلوا بنصف سعادة خوفا من حديث عابر أو نظرة مجتمع لا يتحمل نتائج اختياراتكم.
عيشوا أعماركم بكل ما فيها من تعلم، وإنجاز، وسفر، وأحلام، واصنعوا لأنفسكم حياة تستحق أن تعاش. فإذا جاء الشخص المناسب، كان إضافة جميلة إلى حياة مكتملة، لا طوق نجاة لحياة أرهقها انتظار الناس.
فليس كل من سبقك قد وصل، وليس كل من تأخر قد خسر. إنما الرابح الحقيقي هو من وصل إلى المكان الذي يستحقه، في الوقت الذي كتبه الله له، وقلبه مطمئن بأنه لم يبع عمره تحت ضغط أحد.



















