في بلادٍ يبدو أن فيها الاحتفال أصبح صناعة قائمة بذاتها، لم يعد المواطن يعرف متى يفرح ومتى يحزن، ولا متى يصفق ومتى يسأل.
اختلطت المعايير حتى صار السؤال عن النتيجة نوعًا من سوء الأدب، بينما أصبح التصفيق واجبًا وطنيًا، ولو كانت لوحة النتائج تقول غير ذلك.
خرج المنتخب من كأس العالم، وهذه ليست نهاية الدنيا، فالخسارة جزء من الرياضة، ومن لا يخسر لا يتعلم، لكن ما ليس طبيعيًا أن تتحول الهزيمة إلى مهرجان، وأن يصبح الخروج من البطولة بداية لموسم من الاحتفالات، وكأن الكأس عادت إلى القاهرة في حقيبة أحد اللاعبين ولم يرها أحد.
فجأة انقلبت الشاشات إلى صالات أفراح، وتحولت البرامج الرياضية إلى حفلات تكريم مفتوحة، واختفت الأسئلة الصعبة لتحل محلها عبارات من نوع: “أنتم الأبطال”، و”رفعتم رؤوسنا”، و”يكفي أنكم أمتعتمونا”.
وإذا كان هذا هو معيار البطولة، فلماذا تقام البطولات أصلًا؟ لِمَ يتعب الناس أربع سنوات استعدادًا لكأس العالم إذا كان مجرد الأداء الجيد يكفي للحصول على كل هذا الاحتفاء؟
المشكلة ليست في احترام اللاعبين، فاللاعب الذي قاتل في الملعب يستحق الشكر مهما كانت النتيجة. لكن الشكر شيء، وتحويل الهزيمة إلى عيد قومي شيء آخر.
هناك فارق بين أن تقول للاعب: “شكرًا على جهدك”، وأن تقول له: “لقد حققت ما لم يحققه أحد”، بينما الحقيقة أن البطولة أكملت طريقها بدونه.
ثم تبدأ مواكب التكريم، وكأن أبواب الهدايا لا تُفتح إلا عندما تُغلق أبواب المنافسة. تكريمات، واحتفالات، وصور تذكارية، واستقبالات، ووعود بالمكافآت، حتى يخيل للمواطن أن اللقب العالمي موجود في أحد الأدراج، لكنه لم يُعلن بعد.
والأجمل من ذلك أن الإعلام يتصرف وكأنه يعمل في وزارة التفاؤل لا في مؤسسة إعلامية. لا أحد يسأل: لماذا خرجنا؟ ولا أحد يناقش الأخطاء الفنية بجدية، المهم أن تبقى الموسيقى مرتفعة حتى لا يسمع أحد صوت الأسئلة.
أما المواطن البسيط، فيجلس أمام الشاشة، ثم ينظر إلى فاتورة الكهرباء، ثم يعود إلى الشاشة، ثم ينظر إلى أسعار الطعام، ثم يعود إلى الشاشة مرة أخرى، فيشعر أنه يعيش في بلدين؛ بلد داخل التلفزيون، وبلد خارجه، داخل الشاشة كل شيء احتفال، وخارجها كل شيء حسابات مؤجلة.
ولأننا شعب يعشق المفارقات، لم تكتمل الصورة إلا بحفل جماهيري في استاد القاهرة، مع تذاكر بفئات وأسعار مختلفة، وهنا يحق للناس أن يتساءلوا: هل أصبح الاحتفال نفسه سلعة؟ وهل يدفع الجمهور ثمن التصفيق كما يدفع ثمن مشاهدة مباراة نهائية؟ وإذا كان الإنجاز لم يكتمل، فما الذي نحتفل به على هذا النحو؟
ليس الاعتراض على تنظيم احتفال أو فعالية، بل على اختلال الميزان، فالاحتفال في حد ذاته ليس جريمة، لكن المبالغة فيه تجعل الإنجاز الحقيقي يبدو بلا قيمة إضافية، فإذا كانت هذه هي مظاهر الاحتفاء بعد الخروج، فكيف سيكون المشهد لو عاد المنتخب بالكأس فعلًا؟ أم أننا استنفدنا كل مظاهر الفرح قبل الوصول إلى منصة التتويج؟
ثم يخرج علينا بعضهم ليقول إن الناس تحتاج إلى الفرح، نعم تحتاج إليه لكن الفرح لا يُصنع بالمؤثرات الصوتية ولا بعدد الكاميرات ولا بطول السجادة الحمراء.
الفرح الحقيقي هو أن يرى المواطن نتيجة تبرر الاحتفال، لا أن يُطلب منه أن يقتنع بأن ما رآه بعينيه ليس هو الحقيقة.
ويبقى السؤال الذي يتردد في المجالس ووسائل التواصل: هل تحولت الرياضة إلى مساحة يُضخَّم فيها كل حدث ليشغل الرأي العام عن همومه اليومية؟ لا يمكن الجزم بذلك، لكنه سؤال يطرحه كثيرون كلما اتسعت الفجوة بين صخب الاحتفال وثقل الواقع، وعندما يشعر الناس بهذا التناقض، يصبح من الطبيعي أن يتساءلوا عن الأولويات، لا لأنهم يكرهون الرياضة، بل لأنهم يريدون أن تبقى في حجمها الطبيعي، لا أن تتحول إلى بديل عن النقاش في القضايا التي تمس حياتهم.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس الهزيمة الرياضية، وإنما هزيمة المعايير، عندما يصبح النقد جريمة، والتصفيق فضيلة، والمحاسبة نوعًا من قلة الوطنية، فإن الطريق إلى الإنجاز يصبح أطول، فاللاعب الذي يعلم أنه سيُستقبل بالورود سواء فاز أو خسر، لن يشعر بالفرق بين منصة التتويج وبوابة المغادرة.
الدول التي تصنع البطولات لا تحتفل بالمحاولة، بل تدرس أسباب الإخفاق. لا تقيم حفلات للهزيمة، بل تعقد اجتماعات للمراجعة، أما نحن ففي كثير من الأحيان، نؤجل المراجعة حتى لا تفسد أجواء الاحتفال، ثم نتعجب بعد سنوات لأن النتائج لم تتغير.
ولعل أكثر ما يؤلم ليس خروج منتخب من بطولة، فالرياضة يوم لك ويوم عليك، وإنما أن نصر على إقناع أنفسنا بأن كل شيء على ما يرام، وأن الإنجاز لا يحتاج إلا إلى مذيع متحمس، وأغنية حماسية، وبعض الألعاب النارية.
الأوطان لا تُبنى بالتصفيق، ولا تُدار بالمؤثرات البصرية، ولا تُقاس بعدد حفلات التكريم، الأوطان تُبنى حين يكون النجاح له ثمن، والإخفاق له مراجعة، والإنجاز له معيار لا يتغير بتغير العناوين.
قد نخسر مباراة ونفوز غدًا، لكننا إذا خسرنا قدرتنا على التمييز بين الإنجاز الحقيقي والإنجاز الوهمي، فسنظل نحتفل طويلًا.. بينما يحمل الكأس غيرنا وذلك بعد ان اصبحنا فسطاطين أحدهما (يالا ساحل) والآخر (يالا تسول)





















