كانوا يقولون قديمًا إن الصورة بألف كلمة، أما اليوم فيبدو أن بعض شركات الدعاية اكتشفت أن الصورة يمكن أن تكون بديلًا عن ألف شكوى، فإذا تزايدت شكاوى العملاء من خدمة ما فلا داعي للعجلة في إصلاحها، أولًا ابحث عن مشخصاتي مشهور، يصوّر إعلانًا لامعًا أو مشخصاتيه وأضف موسيقى مؤثرة، ثم انتظر المعجزة، وكأن المواطن سيخرج من الإعلان وقد نسي تجربته اليومية هذا استخفاف بعقول الملايين التي لا يهمها أو يغريها هؤلاء الأشخاص.
وهذه هي الفلسفة التي تحكم جانبًا من سوق الدعاية اليوم، لا تبدأ من السؤال البسيط وهو لماذا يغضب العميل وإنما تبدأ بسؤال آخر هو من أشهر وجه يمكن أن يقرأ الرسالة أمام الكاميرا، وكأن المشكلة ليست في الواقع وإنما في اختيار المتحدث.
عندما خرجت حملات تدعو إلى ترشيد الكهرباء لم يعترض أحد على فكرة الترشيد في حد ذاتها، فمن الطبيعي أن تحافظ أي دولة على مواردها وأن تطلب من المواطنين ترشيد الاستهلاك، لكن السؤال الذي تردد بين كثير من الناس كان مختلفًا، لماذا يظن مخططو الحملات أن الطريق إلى عقل المواطن يمر دائمًا عبر إعلان يؤديه مشهور بينما المطلوب في الأساس هو بناء الثقة
المواطن لا يحتاج إلى درس في أن إطفاء المصباح يوفر الكهرباء. هذه معلومة يعرفها طفل في المدرسة.
لكنه يريد أن يشعر بأن الرسالة جزء من سياسة متكاملة وأن الجميع يتحمل المسؤولية وأن المطلوب منه يوازيه جهد حقيقي في الإدارة والكفاءة والشفافية، الأمر نفسه يتكرر في سوق الاتصالات، فكل موسم تقريبًا تخرج حملة جديدة بوجوه معروفة ورسائل براقة وأغان تعلق في الأذهان.
وبعد انتهاء الإعلان يعود المستخدم إلى تجربته اليومية، يراقب استهلاك الباقة ويقيس سرعة الإنترنت ويقارن بين ما سمعه وما يعيشه، فإذا وجد فجوة بين الإثنين فلن يغير الإعلان رأيه مهما كان إنتاجه ضخمًا.
يشكو كثير من المستخدمين من جودة الخدمة أو من سرعة استهلاك الباقات أو من صعوبة الوصول إلى حلول مرضية عند التواصل مع خدمة العملاء، وقد تختلف هذه التجارب من شخص إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى لكن القاسم المشترك أن التجربة الفعلية هي التي تحدد الثقة أكثر من أي حملة دعائية.
وهنا تظهر المفارقة، بدلًا من أن يكون الإعلان تتويجًا لخدمة جيدة يصبح أحيانًا محاولة لتعويض خدمة يراها بعض العملاء أقل من توقعاتهم، وبدلًا من أن يكون المشهور شاهدًا على نجاح المنتج يتحول إلى وسيط يحاول إقناع الناس بشيء يريدون أن يلمسوه بأنفسهم او يجدوا رحمه في فواتير الكهرباء ولا يجدون من يدلس عليهم لانه لا يهتم الا بأجره في الإعلان.
الناس بطبيعتها ليست ضد الفن بل إن كثيرًا من الإعلانات أصبحت جزءًا من الذاكرة الشعبية لأنها ارتبطت بخدمات جيدة أو برسائل ذكية، لكن عندما يشعر المشاهد أن الواقع لا يشبه الشاشة تبدأ السخرية، ليس لأن الإعلان سيئ من الناحية الفنية بل لأن المسافة بين الصورة والحياة أصبحت واسعة يجوز في السابق كانت الحياه الخاصة للمشخصاتية ليست معلنه بهذه الصورة التي عليها الآن فمن الممكن ان تكون الدعايه مقبولة.
وأحيانًا يبدو الأمر كما لو أن شركة تعاني من تسرب المياه في بيتها لكنها قررت أولًا أن تغير لون الستائر، قد تبدو الصورة أجمل للحظات لكن المشكلة الحقيقية ستظل في مكانها، وهذا ما يحدث عندما يسبق الإنفاق على الصورة الإنفاق على جودة الخدمة.
إن الثقة لا تولد في استوديو تصويرالثقة تولد عندما يجد المواطن أن الخدمة تحسنت وأن الشكوى أصبحت أقل وأن ما يدفعه يقابله ما يستحق، عندها فقط يصبح الإعلان احتفالًا بنجاح تحقق بالفعل لا وعدًا بنجاح لم يصل بعد.
ولعل أكبر خطأ يقع فيه بعض المخططين هو الاعتقاد بأن الجمهور ما زال يتلقى الرسائل كما كان يفعل قبل عقود، اليوم يستطيع أي مستخدم أن يقارن ويكتب تجربته وينشرها في ثوان، ولذلك فإن تجربة حقيقية واحدة قد تكون أقوى من حملة دعائية كاملة، فهل انخفض استهلاك الكهرباء عن طريق اعلانات اطفي النور ومصر منوره بيك كلام فاضي لا ينطلي على أحد طيب استعينوا بشخصيات جديده لا تعرف الناس حياتهم الخاصه لكي لا يقولوا بلا نيله خليكوا في سهراتكم.
إن المواطن عندما يشاهد إعلانًا عن سرعة الإنترنت ثم يواجه بطئًا في الاستخدام فلن يحاكم الإعلان من الناحية الفنية بل سيقارنه بتجربته، وعندما يسمع رسالة عن جودة الخدمة ثم يقضي وقتًا طويلًا في محاولة حل مشكلة بسيطة فسوف يتذكر الواقع أكثر مما يتذكر الموسيقى والشعار.
من حق الشركات أن تعلن وأن تتنافس وأن تستخدم وسائل التسويق المختلفة، فهذا جزء طبيعي من السوق، لكن من حق العميل أيضًا أن يسأل سؤالًا مشروعًا، هل كان من الممكن أن يحقق جزء من ميزانية الإعلان أثرًا أكبر لو وُجه إلى تحسين الخدمة أو تطوير البنية الفنية أو تسريع الاستجابة للشكاوى.
هذا السؤال ليس رفضًا للدعاية بل دعوة إلى ترتيب الأولويات، فالإعلان لا يستطيع أن يحمل وحده عبء بناء السمعة إذا كانت التجربة اليومية تسير في اتجاه مختلف وتجربه فاشله والوجه المشهور لا يستطيع أن يحل محل تجربة المستخدم مهما بلغت شعبيته لان المستخدم يقرأ الاجور المبالغ فيها ولعلنا نتذكر وزير كلف مغني بعمل دعايه لمؤسسته بملايين لكي يلتقط صوره معه (مسخره).
إن احترام عقل الجمهور أصبح أصلًا من أصول التسويق الناجح. والجمهور اليوم لا يرفض الإعلان لأنه إعلان بل يرفض المبالغة عندما تصطدم بما يراه بعينيه، ولذلك فإن أفضل إعلان في النهاية هو منتج جيد وخدمة مستقرة وعميل يخرج ليمدح الشركة من تلقاء نفسه دون أن يطلب منه أحد ذلك.
وربما يكون الدرس الأهم أن الثقة لا تشترى ولا تمثل أمام الكاميرا، إنها تبنى خطوة بعد خطوة من خلال الأداء الحقيقي، فإذا كان الواقع قويًا أصبح الإعلان مجرد رسالة تذكر الناس بما يعرفونه بالفعل، أما إذا كان الواقع محل جدل فإن أكبر ميزانية دعائية ستظل عاجزة عن إقناع الناس بأن ما يعيشونه ليس هو الحقيقة.
في النهاية تبقى المعادلة بسيطة أصلح الخدمة أولًا ثم اصنع الإعلان، اجعل المواطن يتحدث عنك قبل أن تطلب من مشهور أن يتحدث نيابة عنك، فالكلمة التي يقولها عميل راض قد تكون في عصرنا هذا أقوى من ألف لقطة مصورة وأصدق من ألف شعار وأبقى أثرًا من أي حملة دعائية مهما كانت.




















