قد يصنع المنصب هيبة، وقد تمنح السلطة نفوذًا، لكن قليلين هم الذين يصنعون مكانتهم في قلوب الناس بأخلاقهم قبل مناصبهم، ومن هؤلاء فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، الذي أثبت على مدار سنوات طويلة أن القيادة الحقيقية ليست في علو المنصب، وإنما في سمو الأخلاق، وأن العالم الحق هو الذي يقترب من الناس ويمنحهم من إنسانيته بقدر ما يمنحهم من علمه.
وجاء اتصال فضيلته بالطالبة الأولى في الثانوية الأزهرية ليجسد هذا المعنى في أبهى صوره، لم يكن مجرد تهنئة بروتوكولية، بل رسالة إنسانية عميقة من أب قبل أن يكون إمامًا، ومن معلم قبل أن يكون مسؤولًا، لقد شعر بفرحة ابنته المتفوقة، فاختار أن يشاركها هذه اللحظة بنفسه، ليؤكد أن الأزهر لا يحتفي بالنجاح بالأرقام وحدها، بل يحتفي بالإنسان الذي صنع هذا النجاح.
قد تقوم بعض القيادات بمثل هذه التهاني عبر مكاتبها أو معاونيها، لكن أن يحرص شيخ الأزهر بنفسه على إجراء هذا الاتصال، فهو دليل على تواضع أصيل، وعلى إدراك عميق لأهمية الكلمة الطيبة في صناعة الأمل وتحفيز الأجيال الجديدة.
وليس هذا الموقف استثناءً في شخصية الإمام الأكبر، بل هو امتداد لمسيرة طويلة عرفها الجميع، فهو رجل جمع بين العلم الغزير والخلق الكريم، والهدوء والحكمة، وسعة الصدر.
لذلك لم يكن احترامه مقصورًا على أبناء الأزهر أو المسلمين فقط، بل امتد إلى مختلف أطياف المجتمع المصري، بل وإلى العالم أجمع، لما يمثله من نموذج للإسلام الوسطي المعتدل.
وعن قرب، لمست في فضيلته صفات قلما تجتمع في شخص واحد: تواضع بلا تصنع، وطيبة بلا تكلف، وسماحة في التعامل، وإنصات لكل من يحدثه مهما كان موقعه، لا يشعر من يجلس معه بحاجز بين العالم الكبير والإنسان البسيط، بل يجد أبًا ناصحًا، ومربيًا حكيمًا، وإنسانًا يحمل في قلبه محبة صادقة للناس.
ولعل من أبرز محطاته الإنسانية والفكرية جهوده في ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش، وإعلاء قيم المواطنة، والدفاع عن مكانة المرأة، ونشر الفكر الوسطي، فضلًا عن دوره العالمي في تعزيز السلام والتفاهم بين الشعوب، حتى أصبح الأزهر في عهده منارة للاعتدال، وصوتًا للحكمة في عالم يموج بالصراعات.
إن عظمة الرجال لا تُقاس بعدد المناصب التي تقلدوها، وإنما بما يتركونه من أثر في النفوس، والإمام الأكبر أحمد الطيب نجح في أن يكون قدوة للأجيال، ليس فقط بعلمه، وإنما بأخلاقه وتواضعه وإنسانيته.
لهذا، لم يكن الاتصال بالطالبة الأولى خبرًا عابرًا، بل درسًا بليغًا في أن القادة الحقيقيين هم الذين يرفعون من حولهم، ويزرعون الأمل في نفوس أبنائهم، ويؤكدون أن التواضع لا ينتقص من الهيبة، بل يصنع المجد، وأن الأخلاق ستظل دائمًا أعظم رسالة يحملها العلماء والعظماء.




















