في كل مرة تخرج فيها من منزلك خلال أيام الصيف، تدفع جزءًا من فاتورة التغيرات المناخية دون أن تشعر، قد تشتري زجاجة مياه معدنية لأن حرارة الجو لم تعد تُحتمل، أو ترتفع فاتورة الكهرباء لأن تشغيل التكييف أصبح ضرورة لا رفاهية، أو تضطر إلى شراء مروحة جديدة أو تقسيط جهاز تكييف لم يكن ضمن أولوياتك، قد تبدو هذه نفقات معيشية عادية، لكنها في الحقيقة تكلفة يفرضها مناخ يتغير.
لسنوات طويلة، تعاملنا مع التغيرات المناخية باعتبارها قضية تخص العلماء، ووزارات البيئة، والمؤتمرات الدولية، أما اليوم، فقد أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية للمواطن، لم يعد أثرها يقتصر على ارتفاع درجات الحرارة، بل امتد إلى ميزانية الأسرة، وصحة الإنسان، وطريقة عمله، وتنقله، وحتى عاداته اليومية.
يظهر ذلك في ارتفاع أسعار الخضروات والفاكهة مع تضرر بعض المحاصيل بسبب موجات الحر، وتزايد حالات الإجهاد الحراري وضربات الشمس، وارتفاع استهلاك الوقود نتيجة تشغيل أجهزة التكييف لفترات أطول، فضلًا عن صعوبة العمل في المواقع المفتوحة أو الأماكن غير المكيفة.
وتتحمل العمالة غير المنتظمة النصيب الأكبر من هذه الكلفة، لأن موجات الحر قد تعني انخفاض الإنتاجية، أو تقليص ساعات العمل، أو فقدان يوم عمل كامل، بما ينعكس مباشرة على دخل الأسرة.
ولم تغيّر التغيرات المناخية ما ننفقه فقط، بل غيّرت أيضًا أسلوب حياتنا. أصبح أول سؤال قبل النزول من المنزل: “الجو حر أوي؟”، ثم نعيد ترتيب يومنا وفقًا للإجابة؛ نؤجل المشاوير، ونبحث عن الظل، ونختار وسيلة النقل التي توفر قدرًا أكبر من الراحة، بل أصبح تشغيل التكييف أو إغلاقه موضوعًا يتكرر في أحاديثنا اليومية، إنها تفاصيل تبدو بسيطة، لكنها تكشف كيف أصبح المناخ حاضرًا في قراراتنا وسلوكنا اليومي.
وفي المقابل، أظهر المجتمع المصري قدرة لافتة على التكيف. فانتشرت مبردات المياه و”الكولمانات” أمام المحال التجارية والمساجد، خاصة في مناطق مثل السبتية والعتبة، كما وضعت بعض المتاجر مراوح في مواجهة الشارع، وازداد انتشار عربات العصائر الباردة، وبدأت بعض المقاهي والمطاعم في استخدام مراوح الرذاذ وتوسيع مساحاتها المكيفة، وهذه ليست مجرد مبادرات خيرية، بل تعكس استجابة مجتمعية تلقائية لواقع مناخي جديد.
ويمكن البناء على هذه المبادرات بتحويل توزيع المياه المعدنية والعصائر الباردة خلال موجات الحر إلى ثقافة مجتمعية تمتد طوال أشهر الصيف، كما أصبحت موائد الرحمن تقليدًا راسخًا في شهر رمضان، وبالتوازي يبقى التوسع في زراعة الأشجار، وزيادة المساحات المظللة، وتوفير نقاط مياه شرب في الميادين ومحطات النقل، وتعزيز إجراءات حماية العاملين في المواقع المكشوفة، من أهم الأولويات التي ينبغي أن تحظى باهتمام الدولة.
ولعل هذا ما عبر عنه المفكر الإيراني عاصف بيات في كتابه الحياة بوصفها سياسة: كيف يغير الناس العاديون الشرق الأوسط، حين رأى أن السياسة لا تُصنع داخل المؤسسات وحدها، بل تتشكل أيضًا في تفاصيل الحياة اليومية، وفي الكيفية التي يتكيف بها الناس مع التحديات التي تواجههم.
ويتقاطع ذلك مع ما طرحه عالم السياسة الأمريكي ديفيد إيستون، الذي اعتبر السياسة عملية التوزيع السلطوي للقيم داخل المجتمع، واليوم أصبحت التغيرات المناخية تعيد توزيع أعباء الحياة نفسها؛ من تكلفة الغذاء والطاقة والمياه، إلى فرص العمل والصحة وجودة الحياة. لذلك لم يعد التكيف مع المناخ مجرد سياسة حكومية أو ملف بيئي، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية للمواطن، ومقياسًا لقدرة السياسات العامة على حماية الإنسان.
ومن هنا، فإن وضع التغيرات المناخية على رأس أولويات متخذي القرار يجب ألا ينطلق من حماية القطاعات الاقتصادية أو جذب التمويل الدولي فحسب، بل من حماية الإنسان نفسه، فالمناخ لم يعد يؤثر في البيئة فقط، بل أصبح يمس الحق في الصحة، والمياه، والغذاء، والعمل، والسكن، والبيئة الآمنة، إنه في جوهره، قضية حقوق إنسان.
ولهذا، تمثل النسخة الخمسية الثانية من الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان (2026-2031) فرصة مهمة لتبني هذا المنظور، عبر إدراج الحقوق المناخية ضمن أولوياتها، وربط السياسات المناخية بحقوق المواطنين اليومية، ووضع مؤشرات واضحة لقياس أثر التغيرات المناخية على جودة الحياة، مع منح اهتمام خاص للفئات الأكثر تأثرًا، وفي مقدمتها العمالة غير المنتظمة، وكبار السن، والأطفال، وسكان المناطق الأكثر تعرضًا لموجات الحر.
فالمواطن لا يعيش التغيرات المناخية في تقارير الخبراء، ولا في مؤتمرات المناخ، بل يعيشها عندما يدفع ثمن زجاجة مياه إضافية، أو ترتفع فاتورة الكهرباء، أو يخسر يوم عمل بسبب موجة حر، أو يبحث عن شجرة يستظل بها، أو يجد مبرد مياه وضعه صاحب متجر ليخفف عن المارة قسوة الصيف.
هناك تبدأ قضية المناخ الحقيقية.. في الشارع، حيث تتحول التغيرات المناخية من ملف بيئي إلى واقع يومي، ومن قضية عالمية إلى ثقب جديد في جيب المواطن





















