التاريخ تصنعه الأحداث الكبرى، الأحداث التي تصنع التغيير، فهذه الأحداث تجعل ما بعدها يختلف عما كان قبلها، وذلك بغض النظر عن الأختلاف حول هذه الأحداث من حيث مدى إيجابية أو سلبية أو جودة أو سوء هذا التغيير الذي أحدثته.
هذه الأحداث على الرغم من كبر حجمها وتأثيرها في التاريخ إلا أن عددها قليل، فهي تحدث على مدى وفترات زمنية طويلة، إلا أنها تمثل أهم الدروس السياسية المستفادة من أبرز أساتذة السياسية.. التاريخ.
قد يتمثل الحدث التاريخي في حرب أو ثورة أو تداعيات تولي زعيم أو تنحي رئيس أو استعمار أو تحرير أو تجربة تنموية.
وفي الحالة المصرية تأتي ثورة 25 يناير المجيدة في عام 2011 كأحد أبرز وأهم هذه النوعية من الأحداث التاريخية.
وعلى الرغم من أن الدستور المصري ينص في ديباجته على أن ثورة 25 ينايركانت بـ إرادة شعبية جارفة، ويربطها الدستور بثورات مصر التي قامت قبلها وبعدها ثورات 1919 و1952 و30 يونيو باعتبار كل هذه الثورات امتداد لمسيرة الوطنية المصرية، إلا أن الخطاب السياسي الرسمي المتعلق بثورة 25 يناير في كثير من الأحيان لا نجد فيه هذا الحماس الدستوري لثورة 25 يناير.
فعلى الرغم من أن الأختلاف في التوجهات السياسية حول الثورات طبيعي إلا أن ما يحدث مع ثورة 25 يناير مختلف، بداية من ما شهدته جلسة برلمانية في 2016 من رفض نائب برلماني الالتزام بنص القسم الدستوري وامتناعه عن الاعتراف بـ 25 يناير كثورة، وحتى جلسه برلمانية أخرى بعد 10 سنوات في عام 2026 حيث عاد نائب بمجلس الشيوخ لانكار ثورة 25 يناير في أحد جلسات المجلس.
أما على المستوى خطاب السلطة التنفيذية الرسمي فلا يتم ذكر ثورة 25 يناير إلا في إطار كونها لحظة تاريخية بدأت فيها كل المشاكل والتحديات والصعاب التي تعاني منها الدولة المصرية إلى الآن.
والحقيقة أن هذه القضية محورية في أصل المسألة السياسية المصرية التي تعاني من العديد من الإشكاليات والأزمات والتحديات والانتقادات الشعبية والرسمية على مستوى الانتخابات والأحزاب والمحليات والممارسة السياسية البرلمانية والحكومية.
إنها قضية تحديد أصل المشكلة السياسية المصرية، وبالتالي معرفة حل المشكلة السياسية المصرية.
هل ثورة 25 يناير كان سبباً في الأزمة السياسية التي تمر بها الدولة المصرية وهي التي صنعتها وأحدثتها؟!
أم أن ثورة 25 يناير كانت نتيجةً لأزمة سياسية سابقة عليها وأدت إليها؟! وإن كانت نتيجةً لأزمة سياسية سابقة عليها فما هي هذ الأزمة؟!
هل مشاركة الشعب المصري في الشأن العام خلال الفترة من 2011 إلى عام 2013 كانت وطنية وإيجابية وأساسية ومطلوبة لتقوية الدولة المصرية وإحداث نقلة تنموية أم أنها كانت هي أصل المشكلة؟!
هل ابتعاد الشعب المصري عن الشأن العام ما بعد 2013 وانخفاض المشاركة السياسية وانتشار المال السياسي وافتقاد البرلمانات وسياسات الحكومات للرضى الشعبي هو الحل؟!
إن إهمال هذه القضية السياسية الدستورية وعدم حسمها يمثل عقبة أساسية في طريق الإصلاح السياسي، فـ 25 يناير هي التي وضعت حجر الأساس للمرحلة السياسية الحالية من تاريخ مصر، وبالتالي فتقييم الأوضاع السياسية التي شهدتها مصر خلال الـ 15 سنة السابقة على 25 يناير ثم خلال الـ 15 سنة التالية يمثل المدخل الأساسي للإصلاح السياسي.
فهذه الحقبة من تاريخ مصر السياسي شديدة الثراء لما شهدته من أحداث غير مسبوقة: ثورات، حروب إرهاب، إنتخابات رئاسية، إنتخابات برلمانية، استفتاءات وتعديلات دستورية، حوارات وطنية، مؤتمرات اقتصادية، مؤتمرات شبابية، استراتيجات تنموية، تحديات جيوسياسية إقليمية، كوارث وصراعات عالمية، أزمات اقتصادية.
في ظل التحديات الوطنية والإقليمية والعالمية الحالية لم تعد الحياة السياسية والمشاركة الشعبية رفاهية بل شرط أساسي لكسب الدولة لثقة المواطن ودعمه لتوجهاتها وبالتالي قدرتها على تحقيق التنمية ومواجهة التحديات التي تواجهها.
وهو ما يضع المسألة السياسية رأس أجندة الأولويات الإصلاحية الوطنية.





















