ليس دفاعًا عن الإمارات، ولا انتقاصًا من حق أي مواطن في مناقشة قضايا بلاده، وإنما دفاع عن مبدأ لا تستقيم الدول بدونه، وهو أن العقود تُحترم، وأن القانون يُطبق على الجميع دون تمييز، فمن السهل أن تُثار العاطفة، وأن تُرفع الشعارات، ولكن من الصعب أن تُبنى دولة إذا أصبحت الحقوق تتغير بتغير المزاج العام.
إن القضية في أصلها أبسط مما يحاول البعض تصويره، فالأرض محل الجدل لم تكن أرضًا مستولى عليها، ولا أرضًا وُضع اليد عليها بغير سند، وإنما كانت أرضًا خُصصت بالبيع لمستثمر إماراتي وفقًا للإجراءات والعقود التي أبرمتها الجهات المختصة في الدولة.
ومنذ أن أبرم العقد، ودفع الثمن، وتحمل تكاليف الاستصلاح والزراعة والري والبنية الأساسية والعمالة وسائر الالتزامات المالية والقانونية، أصبح طرفًا في علاقة قانونية تحكمها حقوق وواجبات متبادلة، لا شعارات سياسية ولا انفعالات عابرة.
ويقول بعض الناشطين إن القضاء سبق أن أصدر أحكامًا بإلغاء بعض عقود تخصيص الأراضي، وحتى لو صح ذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح هو: من يتحمل مسؤولية تلك الإجراءات؟
هل هو المستثمر الذي تعاقد مع الدولة بحسن نية، واعتمد على سلامة الإجراءات التي قامت بها أجهزتها، أم الجهة الإدارية التي أبرمت العقد؟ إن أبسط قواعد العدالة تقضي بأن يتحمل كل طرف مسؤولية أفعاله.
فإذا وقع خطأ في إجراءات التخصيص، فإن المسؤولية الأصلية تقع على من أصدر القرار وأدار إجراءات التعاقد، لا على المستثمر الذي بنى مركزه القانوني على تصرفات الدولة نفسها.
ولا يجوز الخلط بين صحة إجراءات البيع وبين حق المستثمر في التصرف في إنتاجه، فهذان موضوعان مختلفان تمامًا، الأول يتعلق بعلاقة الدولة بأجهزتها وبسلامة قراراتها الإدارية، أما الثاني فيتعلق بحقوق نشأت بموجب عقد نافذ، وباستثمارات دُفعت فيها أموال طائلة، وتحملت فيها مخاطر حقيقية، والخلط بين الأمرين لا يصنع عدالة، بل يصنع ظلمًا جديدًا.
إن الاستثمار ليس منحة يقدمها المستثمر للدولة، ولا صدقة تمنحها الدولة للمستثمر، إنه عقد يقوم على المصالح المتبادلة، فالدولة تحصل على ثمن الأرض أو مقابل الانتفاع، وتستفيد من استصلاح مساحات لم تكن منتجة، ومن توفير فرص العمل، ومن تحريك الاقتصاد، ومن زيادة النشاط الزراعي.
وفي المقابل، يحصل المستثمر على حق استغلال الأرض والتصرف في إنتاجها وفقًا لما ينص عليه العقد والقانون، فإذا أوفى كل طرف بما عليه، وجب أن يحصل على ما له.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا باع المستثمر إنتاجه إلى مصر أو إلى غيرها؟ وإنما: هل خالف العقد الذي وقعه؟ وهل خالف القانون الذي ينظم نشاطه؟ فإن كانت الإجابة بالنفي، فإن كل ما قام به يدخل في نطاق حقه المشروع.
أما إذا نص العقد على تخصيص نسبة للسوق المحلية، أو وضع قيود على التصدير، فإن تلك الشروط تصبح ملزمة له، لأنها قبل أن تكون التزامًا قانونيًا، فهي التزام تعاقدي ارتضاه بإرادته.
أما أن يطالب البعض اليوم بحرمان المستثمر من بيع إنتاجه لأنه زرع أرضًا داخل حدود الدولة، فهذا منطق لا يستقيم، فلا أحد يطالب صاحب المصنع بتوزيع إنتاجه مجانًا لأنه أقام مصنعه على أرض وطنية، ولا أحد يطالب صاحب الفندق باستقبال الناس بلا مقابل لأنه يعمل داخل الدولة.
ولا أحد يطالب شركات الدواء أو الأسمنت أو الحديد بالتنازل عن منتجاتها لأنها تنتج داخل الوطن، فلماذا يصبح هذا المنطق مقبولًا فقط عندما يتعلق الأمر بالزراعة أو بمستثمر؟
إن الأمن الغذائي مسؤولية الدولة قبل أن يكون مسؤولية المستثمر. فإذا كانت الدولة تريد الاحتفاظ بنسبة من الإنتاج داخل السوق المحلية، فإن عليها أن تنص على ذلك بوضوح في العقود التي تبرمها، وإذا رأت أن المصلحة العامة تقتضي فرض قيود على التصدير، فإن عليها أن تفعل ذلك من خلال القوانين واللوائح التي تُطبق على الجميع.
أما أن يخلو العقد من هذه الالتزامات، ثم يُطالب المستثمر بعد سنوات بما لم يلتزم به عند التعاقد، فإن ذلك يهدر قيمة العقد ويهز الثقة في استقرار البيئة الاستثمارية.
إن الدول لا تُبنى بالشعارات، وإنما ببناء الثقة. والثقة لا تتحقق إلا عندما يعلم المواطن والمستثمر، على السواء، أن القانون هو المرجع، وأن الحقوق لا تُسلب تحت ضغط الانفعال، وأن العقود لا يُعاد تفسيرها كلما تبدلت الظروف.
فالمستثمر الوطني قبل الأجنبي يحتاج إلى اليقين القانوني، لأنه لن يغامر بأمواله إذا شعر أن ما يملكه اليوم قد يصبح غدًا محل جدل سياسي.
ولهذا فإن من يعترض على سياسة بيع الأراضي أو على طريقة إدارتها يملك كامل الحق في توجيه نقده إلى السلطة التنفيذية التي اتخذت تلك القرارات، وأن يطالب بتعديل التشريعات أو مراجعة العقود المستقبلية بما يحقق مصلحة الدولة ويحمي أمنها الغذائي.
أما تحميل المستثمر مسؤولية قرار لم يصنعه، أو حرمانه من حق كفله له العقد والقانون، فليس إصلاحًا، بل هو نقل للمسؤولية من صاحبها الحقيقي إلى طرف آخر.
إن القضية في جوهرها ليست مصر ولا الإمارات، وليست دفاعًا عن هذا أو ذاك، القضية هي: هل نحترم دولة القانون أم نستبدلها بدولة الانفعال؟ فإذا كان القانون يُطبق على الجميع ويحترمه الجميع، فإن الوطن هو الرابح الأول.
أما إذا أصبح احترام القانون مرتبطًا بالهوى وبالمواقف السياسية، فإن الخاسر لن يكون المستثمر وحده، بل الدولة كلها، لأنها ستكون قد وجهت رسالة إلى العالم مفادها أن العقود ليست ضمانة، وأن الحقوق قابلة للتغيير كلما ارتفعت الأصوات، وتلك رسالة لا ينبغي لأي دولة تسعى إلى التنمية والاستقرار أن تسمح بوصولها إلى أحد.
الخلاصة، يا حضرات، غير مقبول تمامًا أن يقول أحد: إن الأرض مصرية، والمياه مصرية، والهواء مصري، فكيف يُباع المحصول؟ أظن أن دي تبقى بلطجة بالفم المليان.





















