هناك فارق كبير بين أن تطالب بزيادة في الدخل، وبين أن تطالب بتطبيق صحيح للقانون، فالأولى قد تكون مطلب اقتصادي أما الثانية فهي قضية عدالة.
ولهذا فإن ما يثار اليوم بشأن تعديل الراتب الأساسي على أساس يوليو 2016 لا أراه مجرد خلاف حول أرقام أو فروق مالية، بل أراه سؤال يخص فلسفة الدولة نفسها في إدارة الحقوق، فالقانون لا يفقد قيمته عندما يُكتب، وإنما عندما يختلف الناس في فهمه، أو تختلف الجهات في تطبيقه.
لقد صدر القانون رقم 16 لسنة 2017 ليقرر ضم العلاوة الخاصة إلى الأجر الأساسي اعتبارا من الأول من يوليو 2016 للعاملين غير المخاطبين بقانون الخدمة المدنية.
لكن مع التطبيق، ظهرت قراءات متعددة لأثر هذا الضم على بعض المستحقات المالية، فوجدنا من اتجه إلى القضاء، ومن حصل على أحكام، ومن لا يزال ينتظر، ومن يتساءل: هل حقي يتوقف على صدور حكم لي وحدي؟
وهنا أرى أن القضية لم تعد قضية راتب، بل قضية ثقة.
فالموظف لا يريد أن يشعر بأن حقه مرهون بقدرته على رفع دعوى، أو بامتلاكه الوقت والمال لملاحقة الإجراءات القضائية. فالدولة التي تحترم القانون هي الدولة التي تجعل الوصول إلى الحق هو الأصل، لا التقاضي من أجله.
أنا مؤمنة بأن القضاء هو صمام الأمان، وهو الملاذ الأخير لكل صاحب حق، لكن لا ينبغي أن يتحول إلى الطريق الأول لكل خلاف إداري كان يمكن حسمه بتفسير قانوني موحد أو بقرار تنفيذي واضح.
فكل دعوى كان يمكن تجنبها هي في الحقيقة انتصار للإدارة الرشيدة، وليست انتقاص من دور القضاء، ومن هنا فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس: من ربح القضية؟ وإنما: لماذا تحولت القضية من الأساس إلى آلاف الدعاوى؟
حين تتشابه المراكز القانونية، يجب أن تتشابه المعاملة. وحين يصدر القانون، يجب أن يطمئن الجميع إلى أن تطبيقه لن يختلف من مكتب إلى آخر، أو من محافظة إلى أخرى، أو بين موظف استطاع اللجوء إلى القضاء وآخر لم تسمح له ظروفه بذلك.
إن العدالة لا تتحقق بكثرة الأحكام، وإنما بقلة المنازعات. لأن المجتمع الذي يضطر فيه كل صاحب حق إلى رفع دعوى، هو مجتمع يحتاج إلى مراجعة آليات التطبيق قبل مراجعة النصوص.
ومن وجهة نظري، فإن هذا الملف يحتاج إلى معالجة تشريعية وإدارية شجاعة، تبدأ بتوحيد تفسير القانون، ومراجعة أوضاع الحالات المتماثلة، وإنهاء حالة الجدل التي استمرت سنوات، حفاظا على استقرار العاملين، وتخفيف عن جهات التقاضي، وترسيخ لمبدأ المساواة الذي كفله الدستور.
فالحقوق لا تكتمل بمجرد صدور القوانين، وإنما تكتمل عندما يشعر المواطن أن القانون يراه كما يرى غيره، ويعامله كما يعامل غيره، دون أن يضطر إلى أن يثبت في كل مرة أنه يستحق ما قرره له القانون.
وأؤمن دائما أن قوة الدولة ليست في كثرة تشريعاتها، بل في عدالة تطبيقها، لأن القانون إذا احتاج إلى دعوى حتى يكتسب قيمته، فقدنا جزء من رسالته، أما إذا وصل الحق إلى كل صاحب حق دون عناء، فهنا فقط يصبح القانون عنوان للعدالة، لا مجرد نص في الجريدة الرسمية.



















