في مساء هادئ من أمسيات العمر، جلستُ أُقَلِّب سنواتي كما يُقَلِب الفلاح ثمرة حنظل في يده… مُرّة، نعم، لكنها صادقة، لا تُجامل، ولا تُخفي طعمها خلف قشرة خضراء خادعة.
تجاوزتُ الستين، ولم يكن عمري يومًا مجرد رقم، بل كان حبلًا مشدودًا بين حلمين:
حلمٌ كبير بحجم وطن… مصر كما تمنيتها دائمًا: قوية، عزيزة، تقود ولا تُقاد، تتكلم فيُصغي إليها الجميع، تقوم على العلم والعمل، ويكون الإنسان المصري فيها هو البداية والنهاية.
وحلمٌ أصغر… أو هكذا ظننته: ستر أولادي، وأمانهم، ومستقبل لا يضطرون فيه أن يُبرروا لأنفسهم لماذا تعب أبوهم كل هذا التعب.
فقلتُ لنفسي: نمشي على الحبل… ونرى من يسقط أولًا.
بدأتُ ببناء نفسي، ثم أولادي. مدارس خاصة، ومصاريف تتكاثر كأنها مشروع قومي موازٍ، وأنا أُصفِّق لنفسي كلما دفعت القسط، وأقول بفخر: “ده استثمار”… رغم أن العائد الوحيد كان فواتير جديدة!
ثم، وكأن الحياة لم تكن ممتلئة بما يكفي، قررتُ أن أدخل العمل الحزبي. لم أدخله بهدوء، بل كأنني أُحاول كسر الأبواب المغلقة بكتفي العاري. اجتماعات، مناقشات، أحلام أكبر من القاعات التي كنا نجتمع فيها… وحماس يكفي لإضاءة مدينة، لو كان الحماس يُستخدم كطاقة بديلة.
كنتُ أُقنع نفسي أنني أُوازن: لا هذا يطغى على ذاك، ولا الحلم الكبير يسرق من الحلم الصغير.
والحقيقة؟ كنتُ أُجيد فقط فن “التطمين الذاتي”.
ثم جاء حلمي الهادئ… الحلم الذي لا يطلب الكثير:
فدان أرض, قطعة صحراء، نعم…
لكنها في خيالي كانت بيتًا، وظلًا، وشجرة، وأولادًا يركضون دون خوف، وزوجةً تجلس راضية.
كنتُ أزور الأرض من حينٍ لآخر، لا لأفعل شيئًا حقيقيًا,فلا ماء , ولا كهرباء,ولكن لأُمارس طقسًا خاصًا بي: التأمل الممزوج بالأوهام, أقف في منتصفها، أفتح ذراعيّ كأنني أحتضن المستقبل، ثم أُخرج زجاجة ماء دافئة وأشربها كأنها نخب الإنجاز.
أُشير إلى الفراغ وأقول: “هنا الصالة… وهنا أوضة الأولاد… وهنا الشجرة…”
ثم أتوقف فجأة وأسأل نفسي:
“طب الشجرة دي هتعيش إزاي يا عبقري؟ هتشرب من الإنترنت؟”
فأضحك… ضحكة خفيفة، حتى لا أُحرج نفسي أمام الرمال.
ومع كل زيارة، كان الحلم يكبر… والواقع يمد لسانه في هدوء.
أتخيل أولادي يركضون… ثم أتذكر أنهم بالكاد يركضون خلف إشارة Wi-Fi.
أتخيل جلسات عائلية في الهواء الطلق… ثم أتذكر أن أول اعتراض رسمي سيصدر من “قسم التكييف العائلي”!
فأُعيد ضبط الحلم:
بيت أصغر… شجرة واحدة… مروحة تعمل بالبطارية… وسعادة “اقتصادية” جدًا.
ثم، فجأة، وكأن أحدهم ضغط زر “التسريع”…
دخلت الأرض ضمن نطاق مدينة سفنكس.
كبر الأمل… بل تضخم!
قلتُ: “جميل… لو بقت سكنية… ولو الدولة خدت جزء مقابل المرافق… ماشي… الباقي يكفيني ويكفي الأولاد.”
حلم بسيط، ، لا يُزاحم أحدًا على الطريق.
لكن يبدو أن الطريق كان محجوزًا بالفعل.
نزلت “رؤية الدولة” كأنها إعلان مفاجئ في منتصف الفيلم:
مشروع ضخم… اسم أكبر… وخطة لا مكان فيها للأدوار الثانوية.
وهكذا، تحولتُ فجأة…
من صاحب أرض إلى “مشاهد” لمستقبل يُبنى أمامي.
أقف على الهامش، أُراقب المعدات، وأحاول أن أبدو فاهمًا، فأقول لأي شخص بجانبي: “واضح إن التخطيط استراتيجي جدًا…”
ثم أُخفض صوتي وأضيف: “بس كان ممكن يدخلوا الشجرة بتاعتي… كانت هتدي لمسة إنسانية!”
وفي لحظات الصراحة وهي أخطر من أي مواجهة سياسية جلستُ مع نفسي:
“إنت زعلان؟”
“آه… شوية.”
“طب فخور؟”
“…آه… برضه شوية.”
فابتسمتُ ابتسامة باهتة وقلت:
“يبقى إحنا وصلنا لحالة نادرة… اسمها الفخر المُر.”
وهنا… فهمت الحكاية.
أن الحلم الكبير مصر حين يقرر أن يتحقق، لا يستأذن الأحلام الصغيرة.
وأن الحنظل، رغم مرارته، يظل ثمرة… نبتت من أرض حقيقية.
وهكذا بدأت… وانتهت… قصة الحنظل.
أضحك وأنا أحكيها… وأحزن وأنا أتذكر تفاصيلها…
وأُقنع نفسي أنني ربحت شيئًا عظيمًا… بينما أُخفي طعم المرارة تحت لساني.
الحقيقة المُرّة… أن مستقبل مصر أهم. حتى لو اتبنى مجازًا على جثتي… وجثث أحلامي الصغيرة.
لكن، بيني وبين نفسي… كنتُ أتمنى فقط… أن يُترك لي ركن صغير، أزرع فيه شجرة ليمون.



















