ليس الخلاف على شاطئ فندق العلمين هو القضية التي تستحق أن نتوقف أمامها، وإنما ما كشفه هذا الخلاف من سؤال أكبر وأخطر: من يملك القرار على أرض مصر؟
أختلف صراحة مع فكرة أن يرفع مواطنون مصريون شكوى إلى رئيس دولة أخرى، أياً كانت مكانة هذه الدولة أو عمق العلاقات التي تربطها بمصر، طالبين تدخله في نزاع يتعلق بحقوقهم داخل مشروع يقع على أرض مصرية، وتحت ولاية الدولة المصرية وقوانينها ومؤسساتها.
وأقول ذلك دون انتقاص من أي دولة ، ودون مساس بحقوق أي مستثمر عربي أو أجنبي في حماية استثماراته وفق القانون، لكن هناك فارقاً جوهرياً بين احترام الاستثمار الأجنبي وبين أن يبدو وكأن المستثمر، أو حتى المواطن المصري المتعامل مع مشروع استثماري، يحتاج إلى مظلة سيادية لدولة أجنبية كي يحصل على حقه داخل بلده.
هذه ليست مسألة مجاملة سياسية، وإنما مسألة دلالات.
فحين يطلب مصريون من رئيس دولة الإمارات التدخل في خلاف يتعلق باستخدام شاطئ ومرافق في مشروع سياحي بالساحل الشمالي، فإن الرسالة التي تصل إلى الرأي العام، بصرف النظر عن نوايا أصحابها، تفتح باباً بالغ الحساسية: هل أصبحت بعض المشروعات الاستثمارية كيانات لها مرجعية تتجاوز الدولة المصرية؟ وهل أصبحت العلاقة بين المواطن والشركة المستثمرة تحتاج إلى وسيط خارجي بدلاً من القانون والقضاء والجهات المصرية المختصة؟
هنا تحديداً ينبغي أن ندق جرس الإنذار: الأرض المصرية تظل مصرية.. والاستثمار لا ينقل السيادة.
القانون المصري يسمح، في حالات وشروط محددة، بتملك غير المصريين للعقارات، كما يتيح للمشروعات الاستثمارية تملك أو حيازة الأراضي والعقارات اللازمة لممارسة نشاطها، وفق الضوابط القانونية والمناطق التي تخضع لقوانين خاصة. وتؤكد الهيئة العامة للاستثمار أن المستثمر يستطيع تملك وإدارة واستخدام مشروعه والتصرف فيه في إطار القانون، وأن ملكية الأراضي والعقارات للمشروعات تخضع أيضاً للاستثناءات والضوابط الخاصة ببعض المناطق.
لكن الملكية العقارية شيء، والسيادة شيء آخر تماماً.
فشراء شركة إماراتية لأرض في مصر لا يجعل الأرض إماراتية، كما أن شراء شركة أمريكية لعقار في القاهرة لا يجعل جزءاً من القاهرة أمريكياً، ولا أن امتلاك مستثمر أجنبي عقاراً في الإسكندرية ينقل جزءاً من الإقليم المصري إلى سيادة دولة المستثمر. السيادة لا تُباع في صفقة عقارية، ولا تنتقل بعقد استثمار، ولا تُكتسب بحجم رأس المال، وهذه نقطة يجب ألا تختلط على أحد.
أما الشاطئ.. فالقضية أكثر حساسية
فالقضاء المصري مستقر على اعتبار الشواطئ من الأموال العامة، وقد أكدت محكمة النقض أن الترخيص بالانتفاع بالشاطئ هو عمل إداري، أي أن الأمر يتعلق بتنظيم الدولة للانتفاع بالمال العام، وليس بتحويله إلى ملكية خاصة مطلقة. وهنا يجب أن نضع خطاً فاصلاً بين حق المستثمر في إدارة منشأة أو فندق أو تقديم خدمة سياحية، وبين تحويل الشاطئ ذاته إلى منطقة مغلقة وكأنها خرجت من المجال العام للدولة.
الدولة تستطيع أن تنظم، وترخص، وتحدد مناطق الاستخدام، وتضع ضوابط السلامة، وتحافظ على البيئة، وتسمح باستغلال اقتصادي منظم، لكنها، في المقابل، مطالبة بأن تظل صاحبة الولاية النهائية على المال العام، وأن تضمن عدم تحول الاستثمار إلى وسيلة لحجب الحق العام دون سند قانوني. وليس معنى أن مستثمراً أنفق مليارات الجنيهات في تطوير منطقة ساحلية أن البحر أصبح جزءاً من ميزانيته العمومية.
نحن لا نحاكم نزاع العلمين.. وإنما نقرأ دلالاته
ما يعنينا هنا ليس من يفوز في هذه المنازعة، وإنما هو النموذج الذي يمكن أن تنتجه مثل هذه المنازعات إذا لم تحسم الدولة القواعد بصورة لا تحتمل اللبس، لأن المواطن الذي اشترى وحدة في مشروع مصري، ودفع أمواله، وأصبح طرفاً في علاقة تعاقدية مع شركة تعمل في مصر، يجب أن يعرف بدقة: ما الذي يملكه؟ وما الذي يحق له استخدامه؟ وما الذي يُعد من مرافق المشروع؟ وما الذي يظل من الأموال العامة؟ ومن يملك سلطة الفصل عند النزاع؟
هنا يأتي الدور الحقيقي للحكومة، فهي ليست طرفاً في معركة بين مواطن ومستثمر، وليست مطلوباً منها أن تنحاز للمواطن لمجرد أنه مواطن، أو للمستثمر لمجرد أنه مستثمر. وظيفتها أن تكون المنظم والحَكَم القانوني. فالاستثمار الأجنبي يحتاج إلى دولة قوية تحمي المستثمر من التعسف، كما يحتاج المواطن إلى دولة قوية تحميه من التعسف. وقوة الدولة لا تظهر عندما تنحاز إلى أحد الطرفين، وإنما عندما تجعل القانون فوق الطرفين، وتلك هي دولة القانون.
أقوى رسالة يمكن أن توجهها مصر إلى المستثمر الإماراتي والسعودي والكويتي والأوروبي والأمريكي هي: استثمروا في مصر، واربحوا في مصر، وابنوا في مصر، ونحن نحميكم بالقانون، لكن القانون نفسه يحمي المواطن المصري، ولا أحد فوق الدولة المصرية. أما أن يصل الأمر إلى أن يصبح النزاع داخل مشروع مصري مناسبة لاستدعاء رئيس دولة أجنبية للتدخل، فهذه سابقة في الدلالة أخطر بكثير من تفاصيل الخلاف نفسه.
مصر ليست مجرد سوق للاستثمار، والساحل الشمالي ليس مجرد قطعة أرض تصلح للتطوير العقاري، إنه جزء من الجغرافيا المصرية، وثروة طبيعية، ومورد سياحي، وامتداد ساحلي تعمل الدولة على حمايته وتطويره باستثمارات ضخمة.
جرس إنذار قبل أن يصبح البحر امتيازاً اجتماعياً.. الشاطئ ليس تفصيلاً هامشياً في ملف الاستثمار
إنه جزء من الأمن الاقتصادي والاجتماعي والبيئي للدولة، ولهذا فإن الدولة مطالبة بأن تكون أكثر وضوحاً في تعريف حدود الاستثمار الساحلي: أين تبدأ ملكية المستثمر، وأين تنتهي؟ وما هي حقوقه في الإدارة والتشغيل؟ وما هو المال العام؟ وما هو حق المواطن في الوصول والاستخدام؟
المشكلة الحقيقية ليست أن هناك فندقاً يريد حماية خصوصية نزلائه، ولا أن هناك مشروعاً سياحياً يحتاج إلى إدارة وتنظيم. المشكلة تبدأ عندما يشعر المواطن أن البحر الذي يقع في بلده أصبح متاحاً له فقط إذا دفع سعراً لا يستطيع تحمله، أو إذا اشترى وحدة في مشروع مغلق، أو حصل على عضوية، أو أصبح ضيفاً على فندق. هنا نكون أمام تحول خطير: من تنظيم استخدام الشاطئ إلى احتكار الوصول إليه.
وهذا هو الفارق الذي ينبغي أن تنتبه إليه الحكومة، حتى وإن انتبهت إليه الآن متأخرة، فالتنمية لا تعني أن يبني المستثمر سوراً حول البحر، وإنما أن تبني الدولة منظومة تجعل الاستثمار مزدهراً والمواطن حاضراً.
إن مصر تحتاج إلى رأس المال العربي والأجنبي، نعم، وتحتاج إلى مشروعات كبرى على البحر المتوسط، نعم، لكنها قبل كل ذلك تحتاج إلى أن تظل مصر. والاستثمار الذي يحترم سيادة الدولة هو استثمار مرحب به، والمستثمر الذي يلجأ إلى القانون المصري لحماية حقوقه هو شريك في التنمية، والمواطن الذي يطالب بحقه عبر مؤسسات بلده هو ممارسة طبيعية لدولة المواطنة. أما أن نصل إلى مرحلة يشعر فيها المواطن المصري أنه مضطر إلى الاستنجاد برئيس دولة أخرى لحل خلاف داخل مشروع على أرض مصرية، فهذه ليست مجرد واقعة عابرة؛ إنها إشارة سياسية واجتماعية وقانونية تستحق التوقف أمامها.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس إغلاق الباب أمام الاستثمار، بل العكس: تثبيت قواعده وإزالة مناطق الغموض فيه. والمطلوب من الحكومة المصرية أن تعيد مراجعة منظومة الانتفاع بالشواطئ داخل المشروعات السياحية والمنتجعات، وأن تضع معياراً واضحاً لا يسمح بتحويل الشاطئ العام إلى امتياز مغلق، مع ضمان حقوق المستثمرين وملاك الوحدات في الوقت نفسه.
والأهم أن تعيد الدولة التأكيد عملياً، وبقرارات واضحة، على أن حق المواطن المصري في الوصول إلى شواطئ بلده والاستمتاع بها حق أصيل، لا يتحول إلى سلعة ولا يسقط بمجرد وجود مشروع استثماري على الأرض المحيطة به، فإن اللحظة تبدو مناسبة لإعادة النظر في حق المواطنين في النفاذ إلى شواطئ مصر، وإيجاد صيغة قانونية وتنظيمية تضمن للمصري أن يظل البحر، قبل أي شيء، جزءاً من وطنه وحقاً عاماً لا يُحجب عنه إلا بسند قانوني واضح، ولضرورة تفرضها مقتضيات الأمن القومي


















