يسألونك عن المؤقتين في المؤسسات الصحفية القومية: قل هم مجموعة من الشباب الحاصلين على مؤهلات جامعية، لديهم علم وثقافة، ويطمحون في حياة مستقرة، وممارسة مهنة الصحافة التي كانوا يحلمون بها ويرونها مستقبلهم الزاهر.
لقد التحقوا منذ أكثر من 10 سنوات في المؤسسات الصحفية القومية، وهم يأملون في التعيين، وأن تستقر بهم الحياة، ويعيشون حياتهم كمواطنين، ويمارسون دورهم كصحفيين مهنيين، معبرين عن ضمير الوطن، وحاملين همومه، وكاشفين للحقائق في استقرار نفسي ومهني .
وما دعاني للكتابة في قضية المؤقتين؛ هو اجتماع الحكومة مع المشرفين على المؤسسات القومية لمناقشة مشاكلها، والتي تتمثل في: التأمينات، وتنمية الموارد، واستغلال الأصول، وعمليات التطوير، والحفاظ على هذه المؤسسات؛ باعتبارها لسان حال الدولة، والمعبرة عنها، والحاملة للواء التثقيف والتنوير، والكاشفة لمكامن الخطر التي تواجه المجتمع؛ وذلك كسلطة تراقب، وتحذر، وتوجه، وتسلط الضوء على الإنجازات، ومناطق الخلل والقصور في الأداء من أجل التطهير.
لقد استغربت من عدم تطرق الاجتماع إلى ملف المؤقتين، وكأن الحكومة والمسؤولين عن تلك المؤسسات لا يعنيهم مستقبل هؤلاء الشباب!
وهنا أتساءل: هل تفكيرهم توقف عن مناقشة هذه القضية؟ أم غضوا الطرف عن هذا الملف؟ أم تعمدوا التجاهل لشيء في نفوسهم؛ باعتبار أن طرح هذه القضية لا يستحق المناقشة والطرح؟ أم لا يدركون أن هؤلاء وراءهم أسر تريد أن تعيش؟ أم أن من يناقشون مشاكل المؤسسات الصحفية لا علاقة لهم بالصحافة من قريب أو من بعيد؟ أم أن لسان حالهم يقول: لايعنينا هؤلاء المؤقتين؟ وكأنه “شيء عُجاب” أن يطالبوا بالتعيين!
والغريب والعجيب، أن الهيئة الوطنية للصحافة التي أعلنت في النصف الثاني من العام الماضي- بالتنسيق مع نقابة الصحفيين- عن تشكيل لجنة مهمتها بحث تعيين الزملاء المؤقتين، تكونت من ثلاثة أعضاء من مجلس النقابة، وبعض رؤساء التحرير، وأعضاء من الهيئة؛ لإجراء اختبارات لهم قبل تعيينهم.
وأكدت الهيئة الوطنية للصحافة حينها في بيان لها أن تعيين المؤقتين سيتم وفق جدول زمني ومعايير مهنية، وأن تعيينهم يؤكد تقدير مؤسسات الدولة لدور الصحافة القومية، كما أن تثبيتهم بمثابة ضخ دماء جديدة في تلك المؤسسات، وجعلهم مستقرين، خاصةً أنها لم تعين أحدًا منذ عام 2014.
وإنَّ، كون الحكومة لم تناقش ملف الزملاء المؤقتين في الاجتماع الذي عقد خلال هذا الأسبوع، فكأنه “شيء يُراد”.
وإذا نظرنا إلى هؤلاء الزملاء خلال أكثر من 10 سنوات، نجدهم قد بذلوا جهودًا كبيرة لا ينكرها إلا جاحد؛ حيث عملوا بتفانٍ في تلك المؤسسات، واعتبروها جزءًا من حياتهم، رغم أنهم كانوا يتقاضون مكافآت تعد بالملاليم بمقياس المرتبات التي يتقاضاها زملاؤهم أو من هم في ذات العمر.
ومن عجب أنَّ من التحق منهم بالمؤسسة، لم يكن عمره حينها يتجاوز 26 عاما؛ ليبلغ الآن من العمر 40 عامًا، لا سيَّما وأنًّ تعيينهم براتب حده الأدني ٧ آلاف جنيه لا يعادل بضعة ملايين في الشهر، أو ثمن مجموعة أمتار في صحاري مصر التي تُباع يوميًا.
أليس لهؤلاء حق في موارد بلدهم كمواطنين، إذا كنا نعترف بهم؟! ما سمعنا بهذا في المهن الأخرى، فما هذا إلا اختلاق.
في الماضي، لم يكن الصحفي يزيد عن عام دون تعيين؛ فكون المؤسسة أبقت هؤلاء الزملاء أكثر من 10 سنوات يعملون ويتقاضون مكافآت دون تعيينهم؛ فهذا يعني ظلمًا بَينًِّا. ولو كان فيهم واحد من “أبناء الملأ الأعلى”؛ لتسابقوا جميعًا إلى تعيينه.
السؤال الذي يحيرني: كيف يُطلب من الصحفيين ممارسة أعمالهم؛ كضمير للأمة والمعبرين عنها والحاملين لهموم الوطن والكاشفين للحقائق، والباحثين الفعليين عن قضايا المجتمع، دون أن ينعموا بالاستقرار المادي والمعنوي لحياتهم وحياة أسرهم، لاسيَّما وأنهم يتعرضون لضغوط في الشارع وفي أعمالهم، بخلاف ضغوط المعيشة المتمثلة في الارتفاعات المتتالية في الأسعار؟!
لقد كانت الصحافة القومية منذ ستينيات القرن الماضي هي القائد للمهنة، والمُشكِّل للرأي العام، ومصنع الكوادر والخبرات التي خرَّجت كل القامات الصحفية، وقيادات الصحافة الحزبية والخاصة.
إن ضخ دماء جديدة في تلك المؤسسات يعني إعادة الروح لها والاعتراف بمجهود الزملاء المؤقتين.
وهذا يعني أن الدولة حريصة على دور الصحافة القومية، وأنها ترى ضرورة تطويرها، واستمرارها في أداء رسالتها التثقيفية والتنويرية، وضمان قدرتها على التنافس والدفاع عن الوطن.
وبعد مرور أكثر من عام على إعلان تعيين المؤقتين واجتماع الحكومة بالمسؤولين عن تلك المؤسسات، دون التطرق إلى قضيتهم، تملَّك الكثير من الزملاء مشاعر الأسى والحزن؛ لِما صارت إليه الصحافة خلال الفترة الماضية.
وأظن أن الجميع في حالة غيظ وغضب؛ بسبب عدم استقرار الزملاء المؤقتين؛ لذا نأمل أن يخرج مسؤول يشعر بآلامهم ويعلن تثبيتهم.
ولا نريد أن يتم ترك هذا الملف بحجج واهية؛ فلعل المسؤول الذي يحل أزمة المؤقتين قد يخلده التاريخ.
والله ولي التوفيق، ومن وراء القصد




















