من عاش في ألمانيا يعرف هذه الصورة جيداً.
في أحياء كثيرة تنتشر بيوت إيواء اللاجئين، مبانٍ عادية من الخارج، لكنها من الداخل تشبه خريطة للعالم رسمتها الحروب والهروب. عرب وأفغان وأكراد وإيرانيون وأفارقة وروس وفيتناميون وبلقانيون، ولكل واحد منهم حكاية حملها معه إلى ألمانيا، بعضها يقال وبعضها يظل حبيس الذاكرة.
كنت أعيش في إحدى هذه العمارات في برلين، بالقرب من ميدان ألكسندر بلاتس الشهير.
لكن حكايتي مع حيدر العراقي بدأت قبل ذلك بسنوات، في عام 1999، عندما وصلت إلى برلين للمرة الأولى.
كان شهر رمضان، وكنت غريباً عن المدينة، لا أعرف فيها أحداً تقريباً. سألت رجلاً تركياً عن أقرب مسجد، فأشار إليّ إلى مسجد مولاي. دخلت قبل الإفطار بقليل، وكان المسجد يقدم يومياً إفطاراً للجالية الإسلامية.
هناك رأيت حيدر.
جلس إلى جواري وسألني عن حالي، وعن المكان الذي أقيم فيه. وعندما عرف أنني ما زلت أبحث عن سكن، قال ببساطة:
“عندي مكان، تعال معي.”
حاولت الاعتذار، لكنه قال:
“اعتبر نفسك ضيفاً حتى تستقر أمورك.”
لم يسألني عن مال ولا عن مدة الإقامة.
كان حيدر من أولئك الرجال الذين لا يتحدثون عن الشهامة، لأنهم يمارسونها.
وكان المصريون في برلين يعرفونه جيداً، ويعرفون عنه هذه الشهامة مع كل شخص جديد يصل إلى المدينة.
عرفت لاحقاً أن عائلته كانت من العراقيين الذين اختلفوا مع نظام صدام حسين، فخرجوا إلى سوريا، ثم اتجه حيدر وأخواته الثلاث إلى أوروبا، وحصلوا على اللجوء السياسي.
واللافت أنني لم أسمع منهم يوماً حديثاً عن صدام حسين بالهجوم أو الشتيمة أو النقد الشخصي. كان الماضي موجوداً، لكنه لم يتحول إلى حديث يومي.
ربما لأن الذين عاشوا السياسة عن قرب يعرفون أن بعض الذكريات لا تحتاج إلى شرح.
مرت السنوات.
وفي ليلة رأس السنة، وجدت نفسي في العمارة نفسها تقريباً، وسط خليط من البشر جمعتهم الأقدار تحت سقف واحد.
كنت أشعر أنني أمام رواية اسمها “استراحة محارب”.
شيعي إلى جوار سني، ودرزي بجوار مسلم، وكردي إلى جوار عربي، ويزيدي إلى جوار مسيحي، وأشخاص من أعراق وبلدان شتى، لكل واحد منهم ماضٍ مختلف، لكنهم جميعاً يعيشون في عمارة واحدة.
لم تجمعهم عقيدة واحدة ولا قومية واحدة.
جمعتهم الأقدار.
كنت المصري الوحيد في الحفلة.
لم أكن طرفاً في معظم حروبهم القديمة، ولذلك كنت أراقب أكثر مما أتكلم. شعرت أحياناً أنني أجلس في مقعد جانبي لمسرح غريب، كل ممثل فيه يحمل قصة حقيقية، وكل قصة تصلح لأن تكون رواية عن الحرب والمنفى والنجاة.
كان حيدر يعرف معظم الموجودين.
أشار إلى رجل لبناني وقال:
“هذا من بيروت.”
ثم إلى فلسطيني:
“هذا من مخيم عين الحلوة.”
وأشار إلى آخر:
“وهذا عاش في صبرا وشاتيلا.”
ثم أشار إلى شابين كرديين.
“هذا من العراق، وهذا من سوريا.”
قالها حيدر وكأنه يقدم لي أبطال رواية لا تنتهي.
دخل بعد ذلك جزائريون، ثم أفغان وإيرانيون وروس وبوسنيون ورجلان من الشيشان.
كان المشهد خليطاً يصعب تصنيفه.
لبنانيون وفلسطينيون وأكراد وعراقيون وجزائريون وأفغان وإيرانيون وبوسنيون وشيشان، وبينهم أنا المصري الوحيد.
الحرب تعرف كيف تفرق الناس، لكن المنفى يعرف كيف يجمعهم.
بدأت الموسيقى.
رقص الشباب، ثم لحقت بهم النساء.
كانت بعض السيدات الأفغانيات يرقصن للحظات ثم تتوقف إحداهن فجأة لتمسح دمعة، وبعد دقائق تعود إلى الحلقة وكأن شيئاً لم يحدث.
قالت امرأة عربية وهي تضحك:
“نحن لا نبكي، الموسيقى هي التي تجعل العين تدمع.”
ضحكنا.
كانت ليلة رأس السنة، والجميع يحاول أن يمنح نفسه فرصة قصيرة للنسيان.
على الطاولة طعام من بلدان مختلفة، وبعض زجاجات النبيذ، وشاي وقهوة، وكعكة تنتظر منتصف الليل.
وقبل منتصف الليل بقليل، دخل رجلان، أحدهما من الشيشان والآخر من البوسنة.
نظر أحدهما إلى الحاضرين، فرأى بعضهم يشرب النبيذ، فقال مازحاً بصوت عال:
“أعطني كأساً يا كفرة!”
ساد الصمت لثانية، ثم انفجر الجميع بالضحك.
كان الجزائريون أول من تجاوب مع النكتة، وكان بينهم من عرف أجواء الجبهة الإسلامية للإنقاذ وما خلفته سنوات العنف في الجزائر.
كانت لحظة تختصر عبث المنفى كله.
دين وسياسة وحرب وهجرة ونبيذ، داخل غرفة واحدة.
ثم دقت الساعة الثانية عشرة.
تعالت الأصوات.
ومن ناحية ألكسندر بلاتس كانت الألعاب النارية تضيء سماء برلين، فتبدو للحظات كأنها قصف جميل لا ضحايا له.
احتضن بعضهم بعضاً.
تعالت الضحكات.
وتمنى الجميع عاماً جديداً أفضل.
وفي تلك اللحظة جلس فلسطينيان في زاوية بعيدة.
الأول من مخيم عين الحلوة، والثاني من مخيم صبرا وشاتيلا.
وبدآ يستعيدان ما جرى في بيروت أثناء اجتياح عام 1982.
لم يكن أحد يسألهما، لكن الذاكرة حين تستيقظ لا تنتظر دعوة.
كلما تذكرا شخصاً قال أحدهما:
“الله يرحمه.”
فيذكر الآخر اسماً:
“وهذا؟”
فيرد:
“الله يرحمه.”
أسماء تتوالى، ووجوه غابت منذ عقود، لكنها بقيت حاضرة في ذاكرة رجلين يعيشان بعيداً عن بيروت.
ثم قال حيدر بسخرية مرة:
“وماذا بقي هناك؟”
ضحك الجميع.
حتى الذين لم يفهموا العربية أدركوا أن الجملة تحمل شيئاً أكبر من النكتة.
كان السؤال الحقيقي:
من بقي منا؟
عادت الموسيقى.
بدأ الجزائري يرقص مع اللبناني.
والفلسطيني يتحدث مع الكردي.
والأفغاني يضحك مع البوسني.
والشيشاني يطلق النكات.
والعراقي يراقب الجميع.
وبعض النساء يتنقلن بين الرقص والجلوس والبكاء.
كانت امرأة أفغانية تبكي وهي ترقص، ولم يحاول أحد إيقافها.
ربما لم تكن ترقص لأنها سعيدة.
ربما كانت ترقص كي لا تتذكر.
وربما كانت تتذكر بطريقة أقل قسوة.
جلست امرأة عربية وحدها فترة طويلة، ثم قامت فجأة وانضمت إلى الراقصين. كانت تضحك بصوت مرتفع، لكن عينيها كانتا تقولان شيئاً آخر.
اقترب مني حيدر وقال:
“هل ترى؟”
قلت:
“ماذا؟”
قال:
“في بلادنا كان كل واحد منا يعرف عدوه. هنا لم يعد لدينا وقت للعداوة.”
نظرت إلى الغرفة.
كان اللبناني إلى جوار الجزائري.
والفلسطيني يتحدث مع الكردي.
والأفغاني يضحك مع البوسني.
والشيشاني يمازح الجميع.
والعراقي يراقب الجميع.
وأنا المصري الوحيد.
فكرت في المفارقة.
لو جمع هؤلاء الأشخاص في غرفة واحدة قبل سنوات، ربما كان بعضهم سيجلس في مواجهة بعضهم الآخر على جبهة مختلفة.
أما الآن فقد جمعهم عيد رأس السنة.
لا مؤتمر سلام.
لا مفاوضات.
لا سفير.
فقط عمارة للاجئين في برلين.
وموسيقى.
وكعكة.
وذكريات.
كانت السياسة موجودة في الغرفة، لكن أحداً لم يرغب في فتح دفاترها.
والحرب كانت موجودة في الذاكرة، لكن الجميع حاول أن يرقص فوقها.
والطائفة كانت حاضرة في الأسماء، لكن أحداً لم يكن يريد أن يجعلها سبباً لخلاف جديد.
والمنفى كان يجلس معنا على الطاولة، يضحك حين نضحك، ويصمت حين نصمت.
مرت السنوات.
تركت برلين، ومضيت في حياتي، ثم عدت إليها بعد سنوات في طريق آخر، متجهاً إلى هامبورغ.
كانت رحلة عابرة، واستغليت الإجازة لأذهب إلى حيدر.
وجدته كما تركته تقريباً، وكأن السنوات لم تستطع أن تمحو ذلك الرجل الذي استقبلني في أول رمضان لي في برلين.
وقبل أن أواصل طريقي إلى هامبورغ، حضرت معه ليلة رأس السنة.
عدت إلى العمارة نفسها تقريباً، إلى الوجوه التي تغير بعضها وغاب بعضها، وإلى الحكاية التي لم تنته.
أدركت وقتها أن بعض الرحلات في حياة الإنسان لا تستغرق إلا أياماً، لكنها تترك أثراً يمتد سنوات.
نمر بمدينة، نلتقي شخصاً بالصدفة، نجلس معه ليلة، ثم نمضي.
نظن أن الأمر انتهى.
لكن بعض الأشخاص لا ينتهون بخروجنا من المكان.
يبقون في الذاكرة مثل محطة قطار مررنا بها ذات ليلة، ولم نكن نعرف أنها ستصبح جزءاً من سيرتنا.
كان حيدر بالنسبة لي واحداً من هؤلاء.
بدأت الحكاية في رمضان، عندما كنت غريباً لا أعرف أين أنام.
ثم عادت في ليلة رأس السنة، عندما وجدت نفسي وسط عالم كامل من المنفيين.
وفي المرتين كان هناك شيء واحد ثابت:
رجل عراقي فتح بابه لمصري لا يعرفه.
وفي النهاية، ربما لا يتذكر الإنسان كل المدن التي زارها، ولا كل الفنادق التي نام فيها، ولا الطرق التي قطعها.
لكنه يتذكر اليد التي امتدت إليه عندما كان غريباً.
قبل نهاية الحفل، جلس حيدر إلى جواري.
قال:
“أتدري ما أغرب شيء؟”
قلت:
“ماذا؟”
قال:
“كل واحد هنا جاء بسبب قصة مختلفة، لكننا انتهينا جميعاً في القصة نفسها.”
سألته:
“وما هي؟”
نظر إلى النافذة.
كانت آخر الألعاب النارية تختفي فوق برلين.
وقال:
“المنفى.”
ثم ابتسم:
“والحمد لله أننا وجدنا فيه حفلة.”
ضحكت.
لم يكن أحد منتصراً في تلك الليلة.
ولا أحد خسر وحده.
كان الجميع يحمل خسارته بطريقة مختلفة.
واحد يرقص.
آخر يشرب.
ثالث يستعيد أسماء الموتى.
امرأة تبكي.
رجل يضحك.
وآخر يراقب الساعة، منتظراً عاماً جديداً ربما يحمل شيئاً لم يحمله العام السابق.
وعندما بدأت العمارة تهدأ قبيل الفجر، بقيت أسمع من إحدى الغرف ضحكة عالية، ومن غرفة أخرى بكاء مكتوماً.
فهمت يومها أن الإنسان لا يرقص دائماً لأنه سعيد.
أحياناً يرقص حتى لا يتذكر.
وأحياناً يبكي حتى يستطيع أن يكمل الرقص.
وفي برلين، في ليلة رأس السنة، كان العالم كله تقريباً يسكن في عمارة واحدة.
عمارة لا تجمعها لغة واحدة، ولا دين واحد، ولا قومية واحدة، ولا ذاكرة واحدة.
لكنها جمعت شيئاً ربما كان أكبر من كل ذلك.
جمعت الناجين.
محمد سعد عبد اللطيف،،
كاتب وباحث مذكرات كاتب في بلاد الجن والملائكة –!!

















