حين يتحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي اليوم عن «الفوضى» على مواقع التواصل الاجتماعي، فهو لا يصف فقط حالة الصخب الإلكتروني التي نعيشها يوميًا، وإنما يلفت الانتباه إلى أزمة أعمق تتعلق بالمعرفة ذاتها.
فالمشكلة لم تعد في كثرة ما يُنشر بقدر ما أصبحت في غياب القدرة على التمييز بين المعلومة والرأي، وبين الحقيقة والانطباع، وبين قراءة التاريخ واختزاله في منشور قصير أو مقطع مجتزأ.
نحن بالفعل نعيش زمنًا أصبحت فيه المعلومات متاحة للجميع، لكن المعرفة ليست كذلك، بضغطة واحدة يستطيع أي شخص الوصول إلى آلاف المعلومات، لكنه قد يخرج منها بصورة أكثر ارتباكًا مما كان عليه قبل البحث.
والسبب أن المعرفة لا تتمثل في تراكم المعلومات فحسب، وإنما في فهم السياق، وربط الأحداث، والوعي بما سبقها وما ترتب عليها.
وعندما يشير الرئيس إلى التحديات التي واجهت الدولة خلال خمسين عامًا، فإن السؤال الذي ينبغي أن نتوقف أمامه ليس: لماذا يتحدث عن الماضي؟ وإنما: هل نعرف نحن هذا الماضي أصلًا؟
كثير من الأجيال الجديدة تتعامل مع التاريخ وكأنه مجموعة من العناوين المتناثرة: حرب هنا، وأزمة اقتصادية هناك، وقرار سياسي في مرحلة ما، ثم ننتقل سريعًا إلى الحاضر.
لكن الدول لا تُبنى بهذه الطريقة. فالدولة كيان حي، وتتأثر قراراتها الحالية بتراكمات سنوات طويلة من الحروب والأزمات والديون والتحولات الإقليمية والدولية.
المشكلة أن مواقع التواصل الاجتماعي لا تمنحنا غالبًا الوقت الكافي لفهم كل ذلك، فهي تدفع نحو موقف سريع، وحكم أسرع، وانفعال قابل للمشاركة، ولذلك تتحول القضايا المعقدة إلى معارك بين فريقين، ويصبح السؤال: «مع أم ضد؟» بدلًا من السؤال الأهم: «لماذا حدث ذلك؟ وما الذي سبق هذه اللحظة؟».
لكن مواجهة فوضى المعرفة لا تكون بإسكات الاختلاف، ولا بتحويل كل نقد إلى اتهام، وإنما ببناء مجتمع أكثر قدرة على الحوار والنقاش، فالدولة القوية لا تخشى الأسئلة، والمواطن الواعي لا يكتفي بترديد الإجابات الجاهزة.
نحتاج إلى إعادة الاعتبار إلى القراءة، والتاريخ، والمصادر الموثوقة، والنقاش الذي لا يبدأ وينتهي في خانة التعليقات، ونحتاج إلى إدراك أن الاختلاف في الرأي حق، لكن امتلاك معلومات ناقصة لا يحول الرأي إلى حقيقة.
ربما تكون أخطر فوضى نعيشها اليوم ليست فوضى مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما امتلاك أدوات هائلة للحصول على المعلومات، مع افتقادنا أحيانًا إلى الأدوات اللازمة لفهمها وتحليلها.
وفي النهاية، لا يمكن بناء وعي حقيقي بمجرد مطالبة الناس بمعرفة التحديات التي مرت بها الدولة. المطلوب هو إتاحة المعرفة التي تمكنهم من فهمها، مع الحفاظ على مساحة كافية للسؤال والنقد والمقارنة، فالمجتمع الذي يعرف تاريخه يستطيع أن يناقش حاضره بوعي، وأن ينظر إلى مستقبله بثقة، بدلًا من أن يظل أسيرًا لفوضى المنشورات والانطباعات.




















