في شوارع لاباز، لا تدور اليوم مجرد احتجاجات مطلبية عابرة، بل مواجهة سياسية واجتماعية مكتملة الأركان بين مشروعين اقتصاديين متناقضين، مشروع نيوليبرالي يقوم على رفع الدعم وتقليص دور الدولة وفتح الباب أمام الخصخصة، ومشروع اجتماعي تشكل عبر عقدين من صعود اليسار البوليفي، قام على توسيع الدعم الاجتماعي وحماية الفقراء والموارد الوطنية.
ما يجري في بوليفيا خلال مايو 2026 يكشف من جديد أن سياسات التقشف ليست مجرد «إصلاحات مالية» محايدة كما تروج المؤسسات الدولية، بل خيارات طبقية تعيد توزيع الأعباء الاقتصادية لصالح البنوك والشركات الكبرى، وعلى حساب العمال والفلاحين وصغار الموظفين.
اقتصاد مأزوم.. وحكومة تبحث عن «العلاج السريع»
تواجه بوليفيا منذ سنوات أزمة اقتصادية متفاقمة، فبعد عقد ونصف من النمو النسبي في ظل حكومات اليسار بقيادة إيفو موراليس، بدأت مؤشرات الاقتصاد تتراجع بفعل انخفاض احتياطات النقد الأجنبي، وتراجع صادرات الغاز الطبيعي، وارتفاع عجز الموازنة.
تشير تقديرات اقتصادية حديثة إلى أن احتياطي النقد الأجنبي في بوليفيا انخفض من أكثر من 15 مليار دولار عام 2014 إلى أقل من ملياري دولار خلال السنوات الأخيرة، بينما تجاوز التضخم مستويات غير مسبوقة بالنسبة لاقتصاد اعتاد الاستقرار النسبي.
كما ارتفع عجز الموازنة إلى ما يقارب 8% من الناتج المحلي الإجمالي، في وقت أصبحت فيه الدولة عاجزة عن تمويل دعم الوقود بالوتيرة نفسها التي استمرت لعقدين تقريباً.
في هذا السياق، جاءت الحكومة الجديدة حاملة ما يشبه الوصفة التقليدية لصندوق النقد الدولي: خفض دعم الوقود تدريجيا، تقليص الإنفاق الاجتماعي، فتح المجال أمام خصخصة بعض القطاعات، تشديد السياسات النقدية والمالية، إعادة هيكلة ملكيات الأراضي والائتمان الزراعي.
اقتصادياً، قد تبدو هذه الإجراءات «منطقية» من زاوية المؤسسات المالية الدولية، لكنها على الأرض تعني ببساطة ارتفاعاً فورياً في أسعار النقل والغذاء والطاقة، بما يضغط مباشرة على الطبقات الشعبية.
الوقود.. الشرارة التي أشعلت الشارع
يشكل دعم الوقود في بوليفيا أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي منذ أوائل الألفية، فالدولة كانت تتحمل مليارات الدولارات سنوياً للحفاظ على أسعار البنزين والديزل عند مستويات منخفضة نسبياً، وهو ما انعكس على تكلفة النقل والإنتاج الزراعي وأسعار السلع الأساسية.
لكن الحكومة الحالية اعتبرت أن استمرار الدعم «غير قابل للاستدامة»، خصوصاً مع تراجع إيرادات الطاقة، غير أن رفع الدعم في اقتصاد هش يعني عملياً انتقال موجة تضخمية إلى كل تفاصيل الحياة اليومية.
ولهذا لم يكن غريباً أن تتحول الاحتجاجات بسرعة إلى انتفاضة واسعة، خصوصاً في بلد يمتلك تاريخاً طويلاً من المقاومة الشعبية ضد الخصخصة، منذ «حرب المياه» الشهيرة في مدينة كوتشابامبا عام 2000، وصولاً إلى احتجاجات الغاز التي أطاحت بحكومات سابقة.
النقابات.. حين يتحول العمال إلى قوة تعطيل حقيقية
ما يميز المشهد البوليفي ليس فقط حجم الغضب الشعبي، بل البنية التنظيمية القادرة على تحويل هذا الغضب إلى ضغط سياسي واقتصادي فعلي.
ففي بوليفيا، لا تزال النقابات العمالية واتحادات الفلاحين تمتلك نفوذاً حقيقياً داخل المجتمع، خصوصاً اتحاد العمال البوليفي المركزي، وتنظيمات عمال المناجم والنقل والزراعة.
وخلال أيام قليلة فقط، نجحت الاحتجاجات في: إغلاق أكثر من 20 طريقاً استراتيجيا، تعطيل حركة التجارة والنقل بين الأقاليم، عزل العاصمة سياسياً واقتصاديا، شل قطاعات إنتاجية مرتبطة بالمناجم والزراعة والنقل.
وهنا تظهر نقطة جوهرية في الاقتصاد السياسي: الفقراء لا يمتلكون عادة رأس المال أو الإعلام أو النفوذ الدولي، لكنهم يمتلكون القدرة على تعطيل دورة الإنتاج عندما يكونون منظمين.
عمال المناجم في بوليفيا تحديداً يمثلون حالة تاريخية خاصة؛ فمنذ خمسينيات القرن الماضي لعبوا دورا محوريا في إسقاط حكومات وفرض تنازلات سياسية، بسبب موقعهم المركزي في الاقتصاد البوليفي القائم جزئياً على استخراج المعادن والليثيوم والغاز.
التحالف بين المدينة والريف
واحدة من أخطر اللحظات بالنسبة لأي سلطة هي فشلها في تقسيم المتضررين، وهذا ما حدث تحديدا في بوليفيا، فبدلاً من بقاء الأزمة محصورة داخل المدن، التحمت اتحادات الفلاحين والسكان الأصليين مع عمال المناجم والنقل والقطاع العام، وبذلك تحولت الاحتجاجات من أزمة أسعار إلى مواجهة شاملة ضد النموذج الاقتصادي نفسه.
هذا التحالف له جذور سياسية عميقة؛ إذ إن اليسار البوليفي خلال العقدين الماضيين لم يكن مجرد نخبة انتخابية، بل بنى قواعد اجتماعية حقيقية بين العمال والفلاحين والسكان الأصليين، عبر سياسات الدعم والإسكان والتوظيف وحماية الملكيات الصغيرة.
ورغم خسارة اليسار للانتخابات الرئاسية الأخيرة بسبب الانقسامات الداخلية والصراعات القيادية، فإن القاعدة الاجتماعية التي بناها لم تختفِ، بل يبدو أنها استعادت حضورها سريعاً بمجرد شعورها بأن المكتسبات الاجتماعية مهددة.
الليثيوم.. الخلفية الصامتة للصراع
لا يمكن فهم ما يجري في بوليفيا بعيداً عن الصراع العالمي على الليثيوم، المعدن الأساسي لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية.
تمتلك بوليفيا أحد أكبر احتياطيات الليثيوم في العالم، خصوصاً في منطقة سالار دي أويوني، ومع تصاعد الطلب العالمي على الطاقة النظيفة، تحولت البلاد إلى ساحة تنافس اقتصادي وجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين وشركات التعدين العالمية.
كثير من القوى الاجتماعية في بوليفيا تنظر إلى الخصخصة والتقشف باعتبارهما مقدمة لإعادة هيكلة الاقتصاد بما يخدم الشركات متعددة الجنسيات، خصوصاً في قطاع المعادن والطاقة.
ومن هنا يصبح الصراع أكبر من مجرد سعر البنزين؛ إنه صراع حول من يملك الموارد الطبيعية، ومن يستفيد من عوائدها.
القمع والدعم الدولي
كالعادة، جاءت استجابة السلطة مزدوجة: قمع داخلي عبر الغاز المسيل للدموع والاعتقالات وفتح الطرق بالقوة، ودعم خارجي تحت عنوان «استعادة الاستقرار».
المفارقة أن القوى الدولية التي تدافع دائماً عن «حرية السوق» لا تتردد غالباً في دعم الإجراءات الأمنية عندما تواجه سياسات الخصخصة رفضاً شعبياً واسعاً.
وهذه ليست خصوصية بوليفية فقط؛ بل نمط متكرر في العديد من دول الجنوب العالمي، حيث يصبح «الاستقرار» مرادفاً لقدرة الحكومات على تمرير برامج التقشف مهما كانت تكلفتها الاجتماعية.
الدرس البوليفي
ما تقدمه بوليفيا اليوم هو درس سياسي واقتصادي شديد الوضوح: التقشف يمر بسهولة فقط عندما تكون المجتمعات مفككة، والنقابات ضعيفة، والشارع منزوع التنظيم.
أما عندما يمتلك العمال والفلاحون أدوات ضغط حقيقية، فإن حتى أكثر الحكومات قرباً من المؤسسات المالية الدولية تضطر إلى التراجع أو التفاوض.
في النهاية، لا يتعلق الأمر ببوليفيا وحدها، بل بالسؤال نفسه الذي يتكرر في معظم دول الجنوب: من يتحمل تكلفة الأزمات الاقتصادية؟، هل يدفعها الفقراء عبر رفع الأسعار وتقليص الدعم؟، أم يعاد توزيع الأعباء على رأس المال والشركات الكبرى؟
في شوارع بوليفيا الآن، يبدو أن آلاف العمال والفلاحين اختاروا أن يجيبوا عن هذا السؤال بأنفسهم.




















