بعد أكثر من خمسة عشر عامًا على ثورة يناير، لا يزال الجدل السياسي في مصر يدور حول الأشخاص والأحداث: من انتصر؟ ومن أخطأ؟ وهل كان ما جرى في 2013 ضرورة لحماية الدولة أم انتكاسة للمسار الديمقراطي؟ غير أن هذه الأسئلة، على أهميتها، كثيرًا ما تحجب السؤال الأكثر عمقًا: لماذا وصلت مصر أصلًا إلى تلك اللحظة من الانفجار؟
في تقديري، لم تكن أزمة يناير مجرد أزمة نظام سياسي، بل كانت تعبيرًا عن أزمة نموذج تنموي واجتماعي تبلور على مدى عقود.
فمنذ السبعينات، اتجهت الدولة إلى تبني سياسات التحرير الاقتصادي والخصخصة وتقليص دورها الاجتماعي، في إطار برامج الإصلاح الاقتصادي المرتبطة بمؤسسات التمويل الدولية.
ورغم ما حققته هذه السياسات من معدلات نمو في بعض الفترات، فإن ثمارها لم تتوزع بصورة عادلة، واتسعت الفجوة بين الدخول والأسعار، وتراجعت قدرة قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى والفئات الشعبية على تحسين أوضاعها.
لكن التحول لم يكن اقتصاديًا فقط، بل مسَّ طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فمع اتساع دور السوق، تراجع في المقابل الدور الاجتماعي للدولة، كما ضعفت تدريجيًا المؤسسات التي تمثل المجتمع وتنظم مصالحه، من أحزاب ونقابات وتنظيمات شعبية.
ولم يكن هذا التراجع مجرد أثر جانبي للتحولات الاقتصادية، بل أصبح، في كثير من الأحيان، أحد الشروط التي سمحت باستمرارها. فكلما ضعفت قدرة المجتمع على التنظيم والتفاوض، أصبح تمرير السياسات الاقتصادية أكثر سهولة، وتحولت القرارات الكبرى إلى قرارات تُدار من أعلى، بينما تضاءلت قدرة الفئات المتضررة على التأثير في صياغتها أو تعديلها.
بهذا المعنى، لم تُنتج الليبرالية الجديدة اقتصادًا مختلفًا فقط، بل أعادت تشكيل السياسة أيضًا، فقد أصبح الجهاز التنفيذي أكثر حضورًا، بينما تراجع المجال العام، وازدادت هشاشة الحياة الحزبية، وفقدت النقابات كثيرًا من قدرتها على الدفاع عن مصالح أعضائها. ومع مرور الوقت، أصبح المجتمع يمتلك القدرة على الاحتجاج، لكنه فقد إلى حد بعيد القدرة على التنظيم.
وعندما اندلعت ثورة يناير، كشفت هذا التناقض بوضوح. فقد أثبت المجتمع المصري أنه قادر على إسقاط رأس نظام فقد شرعيته، لكنه لم يمتلك، في المقابل، المؤسسات القادرة على إدارة المرحلة الجديدة أو إنتاج توافق وطني واسع حول مشروع للتنمية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
ولم يكن ذلك نتيجة أخطاء القوى السياسية وحدها، بل نتيجة تراكم تاريخي أضعف المجال العام وقلص استقلاليته.
ومن هنا يمكن أيضًا فهم ما جرى بعد عام 2013 بعيدًا عن الأحكام المبسطة. فقد استعادت الدولة مركزها، وعادت مؤسساتها إلى الإمساك بزمام المشهد السياسي، مدفوعة بحالة الاستقطاب الحاد، وتراجع الاستقرار، وتصاعد المخاوف من انهيار مؤسسات الدولة.
وبالفعل، نجحت في استعادة قدر كبير من الانضباط، وإعادة بناء مؤسساتها، وإطلاق استثمارات واسعة في البنية الأساسية، وتعزيز قدرتها على اتخاذ القرار.
لكن استعادة الدولة لتماسكها لم تعنِ أن الأزمة التي انفجرت في يناير قد انتهت. فما تغير كان طريقة إدارة الأزمة، أكثر مما كانت الأزمة نفسها.
فمن ناحية، توسع دور الدولة في الاقتصاد والاستثمار، ومن ناحية أخرى استمر الاعتماد على كثير من سياسات التحرير الاقتصادي والاقتراض الخارجي، بما حمله ذلك من أعباء اجتماعية متزايدة على قطاعات واسعة من المواطنين.
وهكذا اجتمع اتساع دور الدولة مع استمرار نموذج اقتصادي لم يُحسم الجدل حول قدرته على تحقيق تنمية أكثر عدالة واستقلالًا.
وفي الوقت نفسه، بقيت الأحزاب ضعيفة، والنقابات محدودة التأثير، والمجال العام أقل حيوية مما يحتاجه مجتمع بحجم مصر وتعقيداتها.
وأصبحت الدولة مطالبة بإدارة معظم التناقضات الاجتماعية بنفسها، بينما تراجعت المؤسسات القادرة على استيعاب هذه التناقضات وتحويلها إلى حوار ومفاوضة وسياسات عامة.
هنا تبرز إحدى أهم الأفكار التي طرحها المفكر الراحل سمير أمين، فالدولة الوطنية القوية ليست نقيضًا للديمقراطية أو للمجتمع، بل هي شرط لأي مشروع تنموي مستقل.
لكن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض النظام أو تنفيذ المشروعات، وإنما أيضًا بقدرتها على إطلاق طاقات المجتمع، وبناء اقتصاد إنتاجي، وتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية، وفتح المجال أمام المشاركة الشعبية المنظمة.
إن المفاضلة بين دولة قوية ومجتمع قوي هي، في الحقيقة، مفاضلة زائفة، فلا تنمية من دون دولة تمتلك رؤية وقدرة على التخطيط، ولا استقرار دائمًا من دون مجتمع يمتلك أحزابًا حقيقية، ونقابات مستقلة، ومؤسسات قادرة على التعبير عن مصالح الناس والدفاع عنها.
فالدولة التي تضطر إلى إدارة كل شيء بنفسها تتحمل أعباءً تفوق طاقتها، كما أن المجتمع الذي يُحرم من أدوات التنظيم يفقد تدريجيًا قدرته على إنتاج البدائل والمبادرات.
ربما تكون هذه هي القضية التي لا تزال مطروحة حتى اليوم. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في استعادة الاستقرار فحسب، وإنما في بناء نموذج جديد للتنمية يربط بين النمو والعدالة الاجتماعية، وبين قوة الدولة وحيوية المجتمع، وبين الاستقلال الاقتصادي والمشاركة السياسية.
عندها فقط يمكن القول إن الأزمة التي انفجرت في يناير قد بدأت تجد طريقها إلى الحل، لا لأنها اختفت، بل لأن المجتمع والدولة شرعا معًا في معالجة جذورها، لا الاكتفاء بإدارة نتائجها.




















