لا يمكن فهم الجدل الواسع حول قانون الأسرة الجديد في مصر باعتباره مجرد خلاف قانوني حول النفقة أو الحضانة أو الطلاق. فالقانون، في حقيقته، يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة المصرية نفسها، وبشكل العلاقة بين المواطن والسلطة، وبين الحداثة والموروث، وبين ضرورات العدالة الاجتماعية ومنطق السوق.
فما نشهده اليوم هو انعكاس لما يمكن تسميته بـ”مأزق الانتقال التاريخي المعلّق”، حيث تعيش مصر منذ عقود في منطقة رمادية بين عالمين؛ عالم الدولة الحديثة بمؤسساتها وقوانينها وبيروقراطيتها، وعالم البنى التقليدية التي ما زالت تحكم قطاعات واسعة من الحياة الاجتماعية والثقافية.
ويتجلى هذا المأزق أولًا في التناقض بين مفهوم “المواطن” ومفهوم “الرعية”. فالدولة تطالب الفرد بالالتزامات الكاملة للمواطنة الحديثة؛ من دفع الضرائب والخضوع للقانون وأداء الخدمة العسكرية، لكنها عندما يتعلق الأمر بأكثر العلاقات الإنسانية خصوصية، كالزواج والطلاق، تعيده إلى مربع الانتماء الديني والطائفي.
وهكذا يجد المصري نفسه مواطنًا عندما يتعلق الأمر بالواجبات، ورعية عندما يتعلق الأمر بالحقوق الشخصية، بما يخلق انفصالًا بين وعيه المدني وواقعه القانوني.
كما يتجسد المأزق في طبيعة الدولة ذاتها؛ فهي ليست دولة دينية خالصة تحكمها المؤسسات الدينية، وليست أيضًا دولة مدنية تفصل المجال العام عن المرجعيات الدينية.
والنتيجة هي إنتاج قوانين هجينة تُصاغ داخل مؤسسات الدولة الحديثة لكنها تستمد مشروعيتها من توازنات دينية واجتماعية متناقضة، فلا الدولة تمتلك الجرأة الكافية لإقرار منظومة مدنية متكاملة للأحوال الشخصية، ولا المؤسسات الدينية تتحمل المسؤولية الكاملة عن إدارة هذا الملف، لتظل الأسرة المصرية عالقة بين النموذجين.
وتزداد الأزمة تعقيدًا عندما ننظر إلى طريقة إنتاج التشريعات نفسها، فالقوانين الكبرى لا تُصاغ غالبًا عبر حوار مجتمعي واسع تشارك فيه القوى الحية في المجتمع من أكاديميين وعلماء اجتماع وقانونيين وأحزاب سياسية ونقابات ومؤسسات مجتمع مدني، بل تأتي في كثير من الأحيان نتيجة توازنات مغلقة بين السلطة التنفيذية والمؤسسات الرسمية المختلفة.
لذلك يبدو قانون الأسرة الجديد وكأنه يحاول إرضاء الجميع دون أن يحل مشكلات أحد بصورة جذرية.
لكن قراءة الأزمة من زاوية قانونية فقط ستكون قراءة ناقصة. فالأرقام الاقتصادية والاجتماعية تكشف عن تحولات عميقة تعصف بالأسرة المصرية.
فوفق آخر البيانات الرسمية المعلنة، بلغت نسبة الفقر نحو 29.7% من السكان، بينما تشير تقديرات مستقلة إلى أن نسبة المواطنين الواقعين تحت خط الفقر أو المهددين بالانزلاق إليه قد تصل إلى ما بين 35 و40% من السكان.
وفي الوقت نفسه تشهد مصر معدلات طلاق مرتفعة تقترب من 274 ألف حالة سنويًا، بمعدل يتجاوز 750 حالة يوميًا، بينما تتراجع معدلات الزواج بصورة ملحوظة نتيجة الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة والسكن وتأسيس الأسر الجديدة.
ولا يمكن فصل هذه المؤشرات عن التحولات الاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال العقود الأخيرة، فقد انتقلت الدولة تدريجيًا من نموذج يقوم على تقديم الخدمات والحماية الاجتماعية إلى نموذج يُحمّل الأفراد والأسر أعباء متزايدة من تكلفة التعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية.
وفي ظل الضغوط الاقتصادية المتصاعدة، تتحول الأزمات المعيشية إلى توترات أسرية، ثم إلى خلافات زوجية، ثم إلى طلاق وتفكك اجتماعي.
ومن هنا تبدو محاولة معالجة الأزمة عبر أدوات قانونية وإجرائية فقط بمثابة التعامل مع الأعراض دون الاقتراب من المرض نفسه، فالمشكلة الحقيقية ليست في إجراءات الطلاق أو تنظيم النفقة فقط، بل في غياب الأمان الاقتصادي والاجتماعي الذي يسمح للأسرة بالاستقرار والاستمرار.
والأخطر من ذلك أن بعض الاتجاهات المطروحة في النقاش التشريعي الحالي تعكس نزعة متزايدة نحو خصخصة المشكلات الاجتماعية بدلًا من حلها.
فبدلًا من أن تتحمل الدولة مسؤوليتها المباشرة في حماية الأطفال والنساء المعيلات وضمان الحد الأدنى من الرعاية الاجتماعية، يجري نقل العبء إلى أطراف النزاع الأسري أنفسهم، أي الأب والأم بعد الطلاق.
إن الأطفال ليسوا مسؤولية أسرية خاصة فقط، بل هم مسؤولية المجتمع والدولة أيضًا، ولذلك فإن أي إصلاح جاد لقانون الأسرة يجب أن يرتبط بسياسات عامة توفر شبكات أمان اجتماعي حقيقية تشمل التعليم الجيد والرعاية الصحية والسكن اللائق والدعم الاجتماعي، بدلًا من تحويل الأسرة إلى وحدة اقتصادية معزولة تواجه مصيرها منفردة في مواجهة الأزمات.
كما أن تحويل بعض جوانب الأزمة الأسرية إلى فرص استثمارية يثير أسئلة مشروعة حول العلاقة بين التشريع والمصالح الاقتصادية.
فعندما تُطرح أفكار مثل إلزام المقبلين على الزواج بوثائق أو أدوات تأمينية تديرها شركات التأمين، فإن ذلك يعني عمليًا تحويل ملايين المواطنين إلى سوق مالية جديدة تدر أرباحًا ضخمة على رأس المال المالي، وهنا يصبح من حق المجتمع أن يتساءل: هل الهدف هو حماية الأسرة أم خلق مجالات جديدة لتراكم الأرباح؟
غير أن جوهر الأزمة يظل سياسيًا في المقام الأول. فالقوانين الجيدة لا تُنتجها النوايا الحسنة وحدها، وإنما تنتجها مؤسسات ديمقراطية حقيقية تسمح بتمثيل المصالح الاجتماعية المختلفة داخل المجال العام.
ولذلك فإن إصلاح قانون الأسرة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بإصلاح المجال السياسي نفسه، وبوجود برلمان منتخب يعبر بصدق عن إرادة المجتمع المصري وتنوعه الاجتماعي والثقافي، لا عن توازنات النخب وأصحاب النفوذ والمصالح الاقتصادية، كما يرتبط بإعادة الاعتبار لمبدأ الفصل بين السلطات والحد من تغول السلطة التنفيذية على المجال التشريعي.
وفي المقابل، فإن الحل لا يكمن في القفز فوق الواقع الاجتماعي أو فرض تصورات قانونية راديكالية من أعلى على مجتمع لم يتهيأ لها بعد، فالتجارب التاريخية أثبتت أن القوانين التي تنفصل عن البيئة الاجتماعية تتحول إلى نصوص ميتة أو تدفع الناس إلى التحايل عليها عبر قنوات غير رسمية.
لذلك فإن الطريق الأكثر عقلانية يتمثل في الجمع بين الديمقراطية والتدرج والإرادة الحرة، ومن بين الأفكار الجديرة بالنقاش الجاد إتاحة مسار مدني اختياري للزواج إلى جانب أنظمة الأحوال الشخصية القائمة حاليًا.
فبدلًا من فرض نموذج واحد على الجميع، يمكن للدولة أن تتيح للمواطنين حرية الاختيار بين المسار الديني والمسار المدني وفقًا لقناعاتهم ومعتقداتهم، وبذلك تحترم الدولة التنوع المجتمعي وتوسع مساحة الحرية الفردية دون الدخول في صدامات ثقافية غير ضرورية.
إن أزمة الأسرة المصرية ليست أزمة قانون فقط، بل أزمة نموذج تنموي وسياسي واجتماعي كامل، والخروج منها لا يكون بمزيد من الحلول المرتبكة أو نقل الأعباء إلى المواطنين، بل ببناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة تقوم على المواطنة الكاملة والعدالة الاجتماعية وتداول السلطة والحوار المجتمعي الواسع، عندها فقط يصبح القانون تعبيرًا عن إرادة المجتمع واحتياجاته الحقيقية، لا مجرد محاولة لإدارة تناقضاته أو تأجيل انفجارها.





















