في كلاسيكية السينما المصرية “نهر الحب”، لم تكن “نوال” (فاتن حمامة) مجرد امرأة وقعت في الحب، بل كانت صرخة إنسانية في وجه “مؤسسة” باردة يديرها “طاهر باشا” (زكي رستم)، لسنوات طويلة، بكى الجمهور المصري مع نوال، ليس تأييداً للخيانة، بل انحيازاً للحياة ضد الموت، وللرحمة ضد الجمود، كان الجمهور وقتها يمتلك “رهافة حِس” تجعله يدرك أن الزواج الذي يفتقر للحب والاحترام هو زنزانة، وأن المجرم الحقيقي هو من يقتل الروح قبل الجسد.
انحطاط الوعي: من التعاطف إلى الإدانة
اليوم، نعيش تحولاً مرعباً في ذائقة المتفرج، نفس الفيلم الذي كان يُنظر إليه كملحمة إنسانية، أصبح يُحاكم بمنطق “التريند” والسطحية الأخلاقية. تحولت “نوال” في نظر البعض إلى “خائنة” تستحق السحق، وبات “طاهر باشا” ـ بكل جبروته وأنانية سلطته ـ يُقدّم كضحية! هذا الانزياح ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هو مؤشر على “انحطاط” في الوعي الجمعي، وانحياز غريزي لكل ما يمثل “السلطة” و”الاستقرار الزائف” على حساب الحق الإنساني في الوجود.
الانسحاق أمام “الباشا”
إن تبني رواية “طاهر باشا” اليوم هو تعبير صارخ عن حالة الانسحاق أمام القوة، لقد فقد الجمهور المعاصر القدرة على قراءة “ما بين السطور” النفسية، واستبدلها بمسطرة قانونية جافة، أصبحنا نقدس الجدران التي تحمينا، حتى لو كانت قضباناً تخنقنا، هذا المتفرج الذي يرى نوال “مجرمة”، هو نفسه الذي استسلم لواقع منحط، فبات يخشى الحرية ويهاجم كل من يطالب بها، حتى لو كان ذلك في خيال شاشة السينما.
وهنا تبرز مفارقة مذهلة حين نستدعي من الذاكرة الأدبية شخصية «ورد» زوج ليلى العامرية في مسرحية أحمد شوقي؛ فبالرغم من كونه الزوج الذي يمتلك كامل الحقوق الاجتماعية، إلا أنه حين أدرك عمق مأساة ليلى وقيس، لم يتحول إلى جلاد، لم يطارد «المجنون» بسوط السلطة، بل قال جملته الخالدة التي تعكس فروسية الروح: «ماذا يرى وردٌ إذا وردٌ عذر.. أو بَرَّ مَن يحب أو مَن يفتكر»، معتبراً أن احترام “الحب” كقيمة إنسانية أسمى من إثبات السطوة والامتلاك.
لقد كان «ورد» يمتلك وعياً يجعله يرى في قيس ضحية قدر، لا مجرماً يستحق القتل، بينما جمهورنا اليوم بات يفتقر لفروسية «ورد»، ويتحالف مع قسوة «طاهر باشا»، مفضلاً منطق السجن على منطق الإنسانية.
الفن بين التربية والسطحية
إن الفن الحقيقي يحتاج إلى “تربية فنية” تسبقه؛ تربية تعلم الإنسان أن الضعف البشري ليس خطيئة تستوجب الجلد، بل هو مساحة للتأمل والفهم، عندما يهبط وعي الجمهور، فإنه يجر الفن معه إلى الهاوية، فالمنتج والمؤلف، أمام جمهور “متزمت” و”سطحي”، يضطرون لتقديم فن “مقيد” يخلو من أي اشتباك مع المحرمات الاجتماعية أو التعقيدات النفسية، فن يعيد تدوير الأحكام الجاهزة ليرضي غرور “المتطهرين زيفاً”.
الاكثر بؤسا أن مأساة نوال في “نهر الحب” لم تنتهِ بانتحارها تحت عجلات القطار، بل تتجدد اليوم بانتحار الوعي الإنساني لدى المتفرج.
إننا بحاجة ماسة لاستعادة “إنسانية الرؤية”، أن نتعلم مرة أخرى كيف نحب “نوال” ونكره “الجمود” الذي يمثله طاهر باشا، لأنه لو استمر الجمهور في رؤية “القهر” كضحية و”الحب” كمجرم، فعلينا أن نودع الفن، ونستعد لعصر من “التصحر الإنساني” لا رجعة فيه.



















